سهيلة عبد الباعث الترجمان
759
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
رمحي - أي الأحدية - . ألا تراه عليه السلام يقول : " اللهم بك أصول وبك أجول " « 1 » فالحق خير عدة للكل في كل شدة ، به يرمي الرامي ويسمو السامي وينمو النامي " « 2 » . وفي هذا يلتقي الجيلي مع ابن عربي بقوله بنفي إمكان شهود الحق في ذاته لأحد في الدنيا . وهذا إنكار صريح على الصوفية الذين يدّعون أنهم يشاهدون الحق في حال وجدهم وفنائهم ، فليس الحق مشهودا لأحد من حيث ذاته المقدسة المنزهة عن جميع النسب والإضافات ، وكل ما يتصل بالوجود الخارجي ، كما أنه تعالى ليس مشهودا لأحد من حيث أنه ذات موصوف بالصفات والأسماء إلّا عن طريق المجالي والمظاهر الوجودية التي يتألف منها العالم . ولكن الحق مشهود في كل قلب ، وفي قلب العارف بوجه خاص في صور معتقدات صاحب هذا القلب « 3 » . فالقلب إذن عندهما هو محل شهود الحق تعالى فقط ، ولا سبيل إليه بغير ذلك فبتصفية القلب من أحوال الدنيا ومطالبها وشوائب المادة وأدرانها ، ترد عليه المعارف اللدنية وتنكشف له الحقائق الوجودية فيشهد الحقيقة كاملة بعد ذلك . وهكذا بعد أن بينا حقيقة الشهود لدى الجيلي وما تضمنه من العلم بالحقائق الوجودية الحقية والخلقية وما توصل إليه من معرفة بالكمالات الإلهية وحقيقة الذات الإلهية كشفا وذوقا عن طريق القلب العامر بالإيمان والتصديق ، وبعد مجاهدة النفس وتطهيرها بالتجرد عن علائق البدن ونوازعه ، وذلك كله بالفناء عن كل ما سوى اللّه بعد الترقي في المعراج الروحي والوصول إلى البقاء باللّه وهو المحبوب الذي يأنس العبد بقربه ويرى جماله في قلبه فيستشعر بالسعادة بالفناء فيه ، نقول : أن وحدة الشهود على هذا النحو هي إذن حال أو تجربة يعانيها الصوفي في معراجه الروحي ، وليست عقيدة أو علما أو دعوى فلسفية يحاول البرهنة عليها . وهي أخصّ مظهر من مظاهر الحياة الصوفية ، وهي الحال التي يسميها الصوفيّة المسلمون
--> ( 1 ) الحديث : المعجم الكبير للطبراني 11 / 350 ، مجمع الزوائد للهيثمي 10 / 130 ، القرطبي 3 / 256 ، كنز العمال 17645 ، 18450 . ( 2 ) الجيلي ، نسيم السحر ، ص 31 . ( 3 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، التعليقات على فصوص الحكم ، ص 147 .