سهيلة عبد الباعث الترجمان

748

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

يمكنهم أن يعبدوه من غير ذلك بخلاف العارفين فإنهم يعبدونه من حيث اسمه " الرحمن " لتجلّي وجوده في جميع الموجودات عليهم « 1 » . إذن فسعادة الخلق على قدر موافقة الحق ، ولهذا كانت الشقاوة على قدر مخالفة أهل الكتاب للحق ، فإن الحق تعالى لم يرسل نبيا ولا رسولا إلى أمة إلّا وجعل في رسالته سعادة لأمته . وهكذا ينتهي الجيلي إلى أن اللّه سبحانه وتعالى هو المعبود على الحقيقة ، وهو المتجلي في كل مظهر من مظاهر الوجود ، وعليه فما دامت الحقيقة واحدة ، فإن كل العقائد السنية تتحد في جوهرها وإن اختلفت فيما تلبسه من الصور « 2 » . وبهذا ينتهي إلى تقرير المذهب الذي انتهى إليه ابن عربي من قبل . وهو أنه " لولا المحبة لما صحّ طلب شيء أبدا ، ولا وجود شيء ، وإنّ هذا هو سر " فأحببت أن أعرف " . بعد هذا العرض لموقف الجيلي نتساءل ما النتيجة التي ترتبت على قول الجيلي بالوحدة ؟ هل انتهى إلى وحدة شهود أم وحدة حلول ؟ وما هي العلاقة بين الفناء الناشئ عن الحب الإلهي وبين ما يتحقق به العبد من شهوده لحقيقة الوجود الإلهي ؟ وكيف يكون الفناء طريقا موصلا لهذا الشهود دون حصول حلول فيه ؟ وهل قال الجيلي فعلا بوحدة الشهود إلى جانب وحدة الوجود ، أم أن وحدة الوجود عنده هي وحدة شهودية قائمة على المشاهدة والرؤية القلبية لحقيقة الذات الإلهية ؟ إن الإجابة عن تلك التساؤلات تتضح بعد عرضنا لوحدة الشهود عنده . - وحدة الشهود عند الجيلي : إن مقامي الفناء والبقاء على الصورة التي طالعنا بها الجيلي هي نتيجة حتمية للحب الإلهي ، حيث ينتهي العبد بعد فنائه عن نفسه وعن غيره إلى بقائه باللّه ، إذ أن غاية الصوفي من استغراقه في حبه للذات الإلهية أن يصل به المطاف إلى الفناء عن ذاته وعن وجوده ليبقى في اللّه ، فالبقاء في اللّه بعد الفناء عن النفس من علامات الإنسان الكامل .

--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، ص 86 . ( 2 ) الغزالي ، المنقذ من الضلال ، تحقيق عبد الحليم محمود ، الطبعة الثانية ، القاهرة ، 1962 ، ص 34 .