سهيلة عبد الباعث الترجمان
749
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
والفناء عند الجيلي لا يؤدي إلى اتحاد ولا إلى حلول ، بل هو يؤدي إلى شهود الحق الواحد المطلق الذي به وجود كل موجود . وهي نتيجة التجربة الروحية التي يعيشها الصوفي المتحقق بالكمال الخلقي ، لأنها مجاهدة للنفس الأمّارة بالسوء ، ومعاناة لتجربة التصفية والتطهير بالتجرد عن علائق البدن وإغفال نوازعه ، فيتيسر للصوفي أن يترقى في معراجه الروحي حتى ينتهي إلى الفناء عن كل ما سوى اللّه ، والبقاء في الذات الإلهية وحدها ، فتتحقق له السعادة العظمى برؤية جمال الحق في قلبه ويأنس بقربه فيرى أن اللّه عين كل موجود ، وفيه قوله : ظهرتم بأوصاف الكمال لناظري * فغبت وعنكم لا تغيب سرائري وشاهدت حسنا شاملا كلّ وجهة * وكانت من الوجهات أيضا مظاهري فغيبني ذاك الشهود من السّوى * وغابت به عني هناك ضمائري فأرجعني منه إليّ بوصفه * ولا شيء عليه عنه في دمي ذاكري فقال ولكن كنت عنه مترجما * مقالة تحقيق وحقي ناصري أنا الحق سبحاني وشأني معظّم * أنزّه عن تشبيه وتحديد وحاصري وحاشاه ما انحلّ في وجودنا * ولا في جهات شاهدته نواظري « 1 » والمرحلة التي يطويها الصوفي في ترقّيه للوصول إلى غايته هي مرحلة التحقق بمقام المشاهدة وهذا يتحقق به بعد الفناء التام ، وهو في هذا الموطن يصف ما يتجلى له فيه من حقائق الأسماء والصفات ، فيطلعه اللّه على حقائق الأمور حيث يشاهد الذات في سائر مظاهر الوجود . وهذه الحضرة التي يشهد فيها الحقيقة هي حضرة المشاهدة المنزهة عن كل شيء فقال : " أوقفني الحق تعالى في حضرة المشاهدة المنزهة عن الجهة والمسامتة ، فشهدته سبحانه وتعالى في سائر المظاهر الأول منها والآخر ، حتى تجلى لي في السماء والأرض ، والطول والعرض ، واليمين واليسار ، والجنة والنار ، والخلف والأمام ، والمأموم والإمام شهود عين شهود أهل العرفان ، بل شهود أهل العين والوجدان ، غير أنه منوط بالتحقيق والبرهان ، فأفناني فيه مني ، ثم صار عوضا عني ، فقمت في مقام البقاء الأعظم لابسا الرداء المعلم . . . ثم أسدل حجاب العظمة ، فنوديت
--> ( 1 ) الجيلي ، رسالة أربعون موطن ، مخطوط ، ص 29 .