سهيلة عبد الباعث الترجمان
745
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
للّه ، فهم مقرّون بوحدانية اللّه تعالى في الوجود لكنهم ينكرون الأنبياء والرسل مطلقا ، فعبادتهم للحق نوع من عبادة الرسل قبل الإرسال . . . " « 1 » . ويعتقد الجيلي أن هذه التعبدات كانت مصدر شقاوة لأهلها أكثر مما حققت لهم السعادة لأن عبادتهم مبتدعة من أنفسهم فقال : " كل هذه الأجناس السابق ذكرها لما ابتدعوا هذه التعبدات من أنفسهم كانت سببا لشقاوتهم ولو آل بهم الأمر إلى السعادة ، فإن الشقاوة ليست إلّا ذلك البعد الذي يثبتون فيه قبل ظهور السعادة ، فهي الشقاوة ، وأما من عبد اللّه على القانون الذي أمر به نبيه كائنا من كان من الأنبياء ، فإنه لا يشقى بل سعادته مستمرة تظهر شيئا فشيئا ، وما أتى على أهل الكتاب إلا أنهم بدّلوا كلام اللّه وابتدعوا من أنفسهم شيئا فكان ذلك الشيء سببا في شقاوتهم ، وهم في الشقاوة على قدر مخالفتهم لأوامر اللّه تعالى وسعادتهم على قدر موافقتهم كتابه تعالى . . . " « 2 » . ويفرّق الجيلي في أمر العبادة بين من تعبّد على التقييد ومن تعبّد على الإطلاق ، ولما كانت العبادة جميعها للّه فإن من عبدوه في صورة واحدة من تجلياته هم عابدون له على التقييد ، ومن عبد اللّه على التقييد بمظهر واحد فهو شرك . أما الموحّد فهو من عبد اللّه على الإطلاق ، وقد أشار إليهم بقوله : " فإن الحق تعالى من حيث ذاته يقتضي أن لا يظهر في شيء إلّا ويعبد ذلك الشيء ، وقد ظهر في ذرات الوجود ، فمن الناس من عبده على الطبائع وهي أصل العالم ، ومنهم من عبد الكواكب ، ومنهم من عبد المعادن ، ومنهم من عبد النار ، ولم يبق شيء في الوجود إلّا وقد عبد شيئا من العالم إلا المحمديون فإنهم عبدوه من حيث الإطلاق بغير تقييد بشيء من أجزاء المحدثات . فقد عبدوه من حيث الجميع ، ثم تنزهت عبادتهم من تعلقها بوجه دون وجه من باطن وظاهر فكان طريقهم صراط اللّه إلى ذاته " « 3 » . وقد ترتب على عبادة التقييد وعبادة الإطلاق درجة القرب والبعد عن اللّه تبعا لعبادتهم وتحققهم بالكمال ، وما رأى إلّا المحمديين قد فازوا بالقرب الإلهي من أول قدم
--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الثاني ، ص 84 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 85 . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 84 .