سهيلة عبد الباعث الترجمان
746
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
لأنهم عبدوا اللّه من حيث الجميع " فلهذا فازوا بدرجة القرب من أول قدم ، فهؤلاء الذين أشار إليهم الحق بقوله : أولئك ينادون من مكان قريب « 1 » بخلاف من عبده من حيث الجهة وقيّده بمظهر كالطبائع أو الكواكب أو كالوثن وغيرهم ، فإنهم المشار إليهم : أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ « 2 » لأنهم لا يرجعون إليه إلا من حيث ذلك المظهر الذي عبدوه من حيث هو ولا يظهر عليهم في غيره " « 3 » ، وهكذا فإن تعدد العبادات وتنوع التجليات بحيث تبدو متباينة مختلفة هي من حيث ذاته ومن حيث الأحدية ومن حيث نفسه ومن حيث الهوية وغيرها ، وجميعها مقتضيات أسمائه وصفاته بحيث تتجمع في الذات الإلهية الواحدة التي هي مصدر العبادة ، وأصل الوجود الواحد الذي تتجلى فيه كل الأسماء والصفات بحسب المقتضيات « 4 » . أما الأديان الثلاثة فلكل منها شرعتها ومنهاجها ، وقد أظهر حقيقة كل دين وما ارتكز عليه من أمور المعتقدات التي اختلطت بالمقتضيات النفسية للكل منها " أما اليهود فإنهم يتعبدون بتوحيد اللّه تعالى ، ثم بالصلاة . . . ويتعبدون بالصوم . . . وبالاعتكاف في يوم السبت . . . وأن يتفرغ لعبادة اللّه تعالى لقوله تعالى في التوراة أنت وعبدك وأمتك للّه تعالى في يوم السبت . . . فلأجل هذا عبّد اللّه اليهود بهذه العبادة في هذا اليوم إشارة إلى الاستواء الرحماني وحصوله في هذا اليوم . . . " « 5 » . وينظر الجيلي إلى النصارى على أنهم أقرب الأمم إلى الحق تعالى بعد المحمديين وذلك بسبب تنزيههم للذات في بعض وجوهها فقال : " وأما النصارى فإنهم أقرب من جميع الأمم الماضية إلى الحق تعالى ، فهم دون المحمديين ، وسببه أنهم طلبوا اللّه تعالى فعبدوه في عيسى ومريم وروح القدس . ثم قالوا بعدم التجزئة ، ثم قالوا بقدمه
--> ( 1 ) الآية : هذه ليست من الآيات إنما إشارة إلى التقرب من اللّه فيكون الحق قريبا منهم يسمعون نداءه خلافا للآخرين ، وهم من يعني بهم المقربون تصديقا لقوله تعالى : أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ سورة الواقعة ، الآية : 11 . ( 2 ) سورة فصلت ، الآية : 44 ك . ( 3 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الثاني ، ص 83 . ( 4 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 84 . ( 5 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 85 .