سهيلة عبد الباعث الترجمان
742
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
النور والظلمة . . . فسموا النور يزدان وسموا الظلمة أهرمن وهؤلاء هم الثانوية ، ثم ذهبت طائفة إلى عبادة النار . . . وهؤلاء هم المجوس ، ثم ذهبت طائفة إلى ترك العبادة رأسا زعما بأنها لا تفيد وإنما الدهر بما يقتضيه مجبول من حيث الفطرة الإلهية على ما هو الواقع فيه . . . وهؤلاء هم الدهريون ، ويسمون بالملاحدة أيضا ، ثم إن أهل الكتاب مفترقون ، فبراهمة وهؤلاء يزعمون أنهم على دين إبراهيم . . . ويهود هؤلاء هم الموسويون ونصارى هؤلاء هم العيسويون ، ومسلمون وهم المحمديون ، فهؤلاء عشر ملل وهم أصول الملل المختلفة ، وهي لا تتناهى لكثرتها ومدار الجميع على هذه العشر ملل وهم الكفار والطبائعية والفلاسفة والثانوية والمجوس والدهرية والبراهمة واليهود والنصارى والمسلمون " « 1 » . وللمفاضلة بين هذه الملل فقد جعل الجيلي ميزان الخير والشر هو المحك لهذه الطوائف والفاصل بينها والمميز لها ، لذلك انقسموا إلى فريقين أهل جنة وأهل نار فقال : " وما ثم طائفة من هذه الطوائف إلّا وقد خلق اللّه منها ناسا للجنة وناسا للنار ، ألا ترى أن الكفار في الزمن المتقدم من النواحي التي لم تصل إليها دعوة رسل ذلك الوقت منقسمون على عامل خير جزاه اللّه بالجنة وعامل شر جزاه اللّه بالنار ، وكذلك أهل الكتاب ، فالخير قبل نزول الشرائع ما قبلته القلوب وأحبته النفوس ، واستبشرت به الأرواح ، وبعد نزول الشرائع ما تعبّد اللّه به عباده ، والشر قبل نزول الشرائع ما قبلته القلوب وكرهته النفوس وتألمت به الأرواح وبعد نزول الشرائع ما نهى اللّه عنه عباده ، فكل هذه الطوائف عابدون للّه كما ينبغي أن يعبد . . . " « 2 » . ولما كانت الذات الإلهية هي مصدر كل عبادة لهذه الطوائف ، فهي مصدر كل سعادة لهم لتحققهم بالعبادة ، فقد أظهر سبحانه وتعالى حقائق أسمائه وصفاته في هذه الملل ، فتجلى في جميعها بذاته ، فكانت التجليات هي المعبودة على الحقيقة في كل الطوائف ومن هنا كان التعدد في العبادات والتباين بينها في الصور والمظاهر ، فكانت كل ملة عابدة للّه على صورة مختلفة للملة الأخرى " فأما الكفار فإنهم عبدوه بالذات ،
--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الثاني ، ص . ص 81 - 82 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 82 .