سهيلة عبد الباعث الترجمان
743
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
لأنه لما كان الحق سبحانه وتعالى حقيقة الوجود بأسره ، والكفار من جملة الوجود وهو حقيقتهم فكفروا أن يكون لهم رب لأنه تعالى حقيقتهم ولا رب له بل هو الرب المطلق ، فعبدوه من حيث ما تقتضيه ذواتهم التي هو عينها ، ثم من عبد منهم الوثن فلسرّ وجوده سبحانه بكماله بلا حلول ولا مزج في كل فرد من أفراد ذرات الوجود . فكان تعالى حقيقة تلك الأوثان التي يعبدونها ، فما عبدوا إلّا اللّه ، ولم يفتقر في ذلك إلى علمهم ولا يحتاج إلى نياتهم . . . لأن قلوبهم شهدت لهم بأن الخير في ذلك الأمر . . . فعبادة الكفار له عبادة ذاتية وهي وإن كانت تؤول بهم إلى السعادة ، فإنها طريق الضلال لبعد حصول سعادتها ، فإنه لا تنكشف لصاحبها الحقائق إلا بعد خوض طباق النار الأخروية جميعها جزاء بما خاض في الدنيا طباق النار الطبيعية بالأفعال والأقوال والأحوال على مقتضى البشرية . فإذا استوفى ذلك قطع طريقه إلى اللّه تعالى لأنه نودي من بعد فيصل بعد ذلك إلى سعادته الإلهية فيفوز بما فاز به المقربون من أول قدم لأنهم نودوا من قرب " « 1 » . أما الطبائعية فقد نبذوا كل صورة للعبادة لدى الكفار ورسموا عبادتهم بما أوحاه فكرهم " أما الطبائعية فإنهم عبدوه من حيث صفاته الأربع . . . التي هي الحياة والعلم والإرادة والقدرة أصل بناء الوجود . فالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة مظاهرها في عالم الأكوان . فالرطوبة مظهر الحياة والبرودة مظهر العلم والحرارة مظهر الإرادة واليبوسة مظهر القدرة وحقيقة هذه المظاهر ذات الموصوف بها سبحانه وتعالى . . . فهم عابدون للحق من حيث الصفات ويؤول أمرهم إلى السعادة كما آل أمر من قبلهم إليها بظهور الحقائق التي بني أمرهم عليها " « 2 » . أما الفلاسفة فقد انصرفوا بعقولهم عن عبادة الواقع لذلك اتجهوا إلى الآفاق بنجومها وكواكبها فقال فيهم : " وأما الفلاسفة فإنهم عبدوه من حيث أسماؤه سبحانه وتعالى لأن النجوم مظاهر أسمائه وهو تعالى حقيقتها بذاته . فالشمس مظهر اسمه اللّه لأنه الممدّ بنوره جميع الكواكب . . . والقمر مظهر اسمه الرحمن لأنه أكمل كوكب يحمل نور الشمس . . . والمشتري مظهر اسمه الرب . . . وأما زحل فمظهر الواحدية لأن كل الأفلاك تحت حيطته . . . وأما المريخ
--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الثاني ، ص 83 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 83 .