سهيلة عبد الباعث الترجمان
727
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
ظهرت من المحب والمحبوب ، لأن الشيء إذا كان من اثنين لا يختص به أحد دون الآخر ، فهما مشتركان فيه . . . فإذا صار كل منهما محبا للثاني ، محبوبا له ، كانت دولة المودة ظاهرة بينهما ، وهي نهاية مراتب العشق في الظهور ، ولأجل وقوعه من الجانبين فقط ، وإلّا فلا شيء في الخلق أعلى من مرتبة ظهور العشق إذ هو نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ « 1 » " « 2 » . وهكذا تنتهي مرتب الحب في الإنسان إلى اتحاد المحب بالمحبوب ، حيث يفنى المحب عن وجوده ووجود كل شيء في محبوبه ، وهذا المظهر عنده من مظاهر الوحدة الوجودية التي لا تفرقة فيها بين حق وخلق أو بين محب ومحبوب « * » . وما يقال بشأن المحبة ومراتبها فإن ذلك يصدق على الإرادة أيضا وعلى مظاهرها في المخلوقات فهي تسير في نفس الخطوات التي تندرج فيها المحبة من ميل وولع وصبابة وهوى وعشق وغيرها ، مما يؤدي إلى الفناء الذي تضمحل فيه الذات ولا يبقى لديها مجال للتفرقة بين صفة ولا موصوف ، وهذا روح مذهبه في الوحدة ، حيث يقول : " إن الإرادة لها تسعة مظاهر في المخلوقات : المظهر الأول وهو الميل وهو انجذاب القلب إلى مطلوبه ، فإذا قوي ودام سمي ولعا وهو المظهر الثاني للإرادة ، ثم إذا اشتد وزاد سمي صبابة ، وهو إذا أخذ القلب بالاسترسال فيمن يحب فكأنه انصبّ كالماء إذا أفرغ لا يجد بدا من الانصباب وهذا هو المظهر الثالث ، ثم إذا تفرغ له بالكلية وتمكن ذلك منه سمي شغفا وهو المظهر الرابع للإرادة ، ثم إذا استحكم في الفؤاد وأخذه عن الأشياء سمي هوى وهو المظهر الخامس ، ثم إذا استوفى حكمه على الجسد
--> ( 1 ) سورة الهمزة ، الآية : 6 ك . ( 2 ) الجيلي ، قاب قوسين ، ورقة 1 ، ص أ . ( * ) حدد الجيلي مراتب الفناء في المحبة بقوله : ثم استولى حكمه - أي الحب - على الجسد بحيث أن يفنى المحب عن نفسه يسمى " شغفا " فإذا انمحى وظهرت علامة بحيث أن يفنى المحب عن نفسه وعن فنائه يسمى " غراما " فإذا استحكم وطفح وظهر وتمكن تمكنا أفنى المحب عن نفسه وعن حبيبه أيضا بحيث أن يبقى الأمر شيئا واحدا وهو المحب المطلق يسمى " عشقا " وهذا آخر مقامات الخلق فيه فإنه يصير المحب في هذا المقام حبيبا والحبيب محبا ، ( قاب قوسين للجيلي ، ورقة 9 ) .