سهيلة عبد الباعث الترجمان
726
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
يسمى " غراما " ، فإذا استحكم وطفح وظهر وتمكن تمكنا أفنى المحب عن نفسه وعن حبيبه أيضا بحيث أن يبقى الأمر شيئا واحدا ، وهو المحب المطلق يسمى " عشقا " وهذا آخر مقامات الخلق فيه ، فإنه يصير المحب في هذا المقام حبيبا والحبيب محبا ، فيتكون كلّ منهما بصورة الآخر ، وذلك أن العاشق قد تمكنت روحه بصورة المعشوق فتعلقت بتلك الصورة الروحانية لمنطق التمازج . . . فيستحيل الفكّ والمفارقة والانفصال فيهما « 1 » . فهذه المراتب التسعة التي أحصاها الجيلي هي للخلق حقيقة ، ولا يمكن نسبتها إلى الحق إلا من حيث أن وجود الخلق له ، وأما الحب والإرادة فهما للّه حقيقة ، وذلك استنادا إلى قوله تعالى : فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ « 2 » ، وقوله : في الحديث القدسي " لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه " « 3 » . وقوله في الإرادة إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « 4 » فالحق تعالى بهذا الشأن يحب ويريد ، والحب والإرادة من ثبوت اللّه تعالى . ولما كانت الحقيقة الوجودية قائمة بوجهيها الحقي والخلقي ، فإنها لا بد من رابط يجمع بينها ، لذلك يرى الجيلي بأن هناك من مراتب الحب ما يجمع بين الحق والخلق معا ، ويحددها الجيلي في معنى " الود " القائم بين الحق والخلق ، وذلك استنادا إلى اسمه " الودود " حيث أنه تعالى يودّ من يشاء من عباده ، ويسبغ عليه من حبه ونعمائه ما يشاء ، وقد أشار إلى هذه المرتبة بقوله : " وللحب مرتبة أخرى تظهر في الحق والخلق ، ولهذا تسمى المرتبة الجامعة ، وهي مرتبة " الودّ " ، فإن اللّه يسمى " الودود " فهو يودّ من يشاء من خلقه ، والخلق يودّونه ، " فالودّ " مرتبة مشتركة تظهر بالقدم في القديم وبالحدث في المحدث ، فالمودة من خصائصها الاشتراك لوقوعها من الجانبين ، ولهذا قال تعالى : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها ، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً « 5 » ، فالمودة تكون من الجهتين ، فهي اسم للمحبة إذا
--> ( 1 ) الجيلي ، قاب قوسين ، ورقة 10 ، ص أ . ( 2 ) سورة المائدة ، الآية : 54 م . ( 3 ) الحديث : " لا يزال عبدي . . . " سبق تخريجه . ( 4 ) سورة يس ، الآية : 83 ك . ( 5 ) سورة الروم ، الآية : 21 ك .