سهيلة عبد الباعث الترجمان
725
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
للّه خالصة من علل النفوس ، لأن تلك المحبة ليست للّه خالصة ، بل هي لعلة نفسية ، فالمحب المخلص منزه عن ذلك . ومحبة الخاصة هي التعشق الذاتي الذي ينطبع بقوته في العاشق بجميع أنوار المعشوق ، فيبرز العاشق في صفة معشوقة ، كما يتشكل الروح بصورة الجسد للتعشق الذي بينهما . . . فمحبة العوام فعلية ، ومحبة الشهداء محبة صفاتية ، ومحبة المقرّبين محبة ذاتية " « 1 » . أضف إلى ذلك أن لهذا الحب والمحبين مراتبه بحسب مراتب الموجودات أيضا ، وقد جعلها الجيلي على تسع مراتب في الخلق ومرتبتين في الحق ، كما يبرز دور الإرادة الإلهية وما لها من تعلّق بالحب القائم في نفس الذات ، وهو ما أشار إليه بقوله : " فأحببت أن أعرف " فهاتان المرتبتان من مراتب الحب في الحق لأن حبه لمعرفته نفسه ، فكانت إرادته تعالى فوق كل شيء ويشير إلى ذلك فيقول : " فالمرتبة الأولى في الحق يسمى الحب بإسمه ما لم يكن حركة لظهور أثرها ، فإذا حصلت تلك الحركة يسمى الحب إرادة ، فالحب الحقيقي والإرادة الحقيقية منه تعالى " « 2 » . هذا هو الحب في جانبه الإلهي ، وقد صوره الجيلي بأنه سرّ الحياة ، وأصل الموجودات جميعها لأنه من جانب الحق ، وبه اكتمال الوجود . ولكن ما هي طبيعة هذا الحب في الجانب الإنساني ؟ أن الحب الإنساني للّه هو ذو غاية وهي الفناء باللّه ، ويحصي الجيلي مراتب هذا الحب في الخلق وتوجهات القلب نحو الحبيب ، وفناءه في هذه المحبة . كما يحدد صفاتها وتدرّج المحب فيها حيث ينتهي فيها إلى مرتبة الفناء ، أي فناء المحب في المحبوب ، ويعرض الجيلي لهذه المراحل التي يجتازها السالك كي يتحقق بالفناء الكامل فيقول : " ومراتب الحب في الخلق أولها " الميل " ، وهو انجذاب القلب إلى المطلوب ، فإذا زاد يسمى " ولعا " ، وإذا اشتد ودام يسمى " صبابة " ، فإذا قوي . . . حلّ بالقلب في المعنى المراد يسمى " هوى " ، فإذا استولى حكمه على الجسد بحيث أن يفنى المحب عن نفسه يسمى " شغفا " ، فإذا انمحى وظهرت علامته بحيث أن يفنى المحب عن نفسه وعن فنائه
--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الثاني ، ص 96 . ( 2 ) الجيلي ، قاب قوسين ، ورقة 9 ، ص ب .