سهيلة عبد الباعث الترجمان

723

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

لولا مقام الحب أعلى رتبة * ما كان اسم حبيبه العبد التّقي فالحب علة كل أمر ظاهر * والحب شيمة كل عبد متّقي « 1 » فالمحبة بهذا المعنى واسطة في الخلق والإيجاد ، فهي المقام الأول الذي صدر عنه الوجود ، والعلة الأولى لظهور كل موجود ، وهي شيمة النفوس التقية التي تعرف مقام العبودية من الربوبية وتخضع لها طاعة وإجلالا . وهذه المحبة المنعقدة للّه هي عين محبة اللّه تعالى لمعرفته لنفسه ، وإخراجه للخلق من كنزيته كما ورد في الحديث القدسي فيما رواه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حاكيا عن ربه أنه قال " كنت كنزا مخفيا ، فأحببت أن أعرف ، فخلقت الخلق وتجليت عليهم فبي عرفوني " « 2 » فكانت المحبة هنا هي السبيل إلى معرفة الذات الإلهية نفسها من خلال خلقها للخلق وإيجاد حاله . فقال : " أحبّ تعالى ظهور الحقائق فخلق لذلك الخلائق ، وأحبه صلّى اللّه عليه وسلّم للتحقق لكل حال تمّ ، فكان حبّ العبد الأوّاه تبعا لحب اللّه ولأجل ذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم " حبب إليّ النساء " « 3 » ليضيف الفعل إلى المتعال ، ولم يقل " أحببت " بإسناده إلى نفسه في الحال ، فعين ما حبّبه لأجله النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هو عين ما أحب اللّه بسببه العالم ، لأنه أحب ظهور ما لديه من الكمالات المعبر عنها بالأسماء والصفات وهو عين المطلوب للنبيّ المحبوب . . . فالذي قال كنت كنزا مخفيا هو القائل حبب إليّ النّساء ولكن أضاف الفعل إلى نفسه أولا للربوبية وإلى غيره ثانيا لمظهر العبودية ، وسرّ ذلك أن الحب أول توجه من الحق لوجود العالم ، ومحمد أول موجود صلّى اللّه عليه وسلّم فكان أول التوجهات مقاما لأول الموجودات " « 4 » . ويعزو الجيلي أمر الخلق كله وإيجاده إلى الحب الإلهي ، ومقامه هو التوجه الحبي نحو الخلق ، وواسطته الروح المحمدي باعتباره أول الخلق ، وقد بيّن دور هذا المقام بقوله : " فكان التوجه الحبي أول صادر عن الجناب الإلهي في إيجاد المخلوقات ، فالحب لبقية مقامات الكمال أصل ، وهي له كالفروع ، ولأجل أنه من المقام الأول الأصلي ، كان مخصوصا بالموجود الأول الأصلي ، فجميع الحقائق الإلهية إنما ظهرت

--> ( 1 ) الجيلي ، نسيم السحر ، ص 39 . ( 2 ) الحديث : سبق تخريجه . ( 3 ) الحديث : أخرجه النسائي 3878 ، وأحمد في مسنده 12584 . ( 4 ) الجيلي ، نسيم السحر ، ص 38 .