سهيلة عبد الباعث الترجمان
700
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
الأعيان الثابتة في العلم الإلهي عبارة عن صور المعلومات الإلهية ، تسمى في علم القوم بالحروف العاليات " « 1 » . ويزيد على ذلك مبينا نسبتها لبعضها البعض بقوله : " فنسبة الأعيان الثابتة من صفة العلم نسبة الحروف الوضعية من النقطة أو نسبة الحروف الرقمية من الدواة ، أو نسبة الثمرة من النخلة ، فلهذا أطبق المحققون أن اللّه تعالى هو محتد العالم . . . " « 2 » . ويقيس الجيلي مدى ثبات هذه الأعيان في الحدوث وبعدها عن القدم الذي هو حكم ذاتي وجوبي للذات بميزان الشرع ، إذ أن الصوفي المتحقق يدرك ببصيرته ما يعطيه الكشف الصحيح فيعرف حقيقة الأمر على ما هو عليه بالنسبة للذات ، ومن هنا لزم الدقة في الحكم كي لا يقع الصوفي بحكمه في الشرك ، فيجعل من الأعيان الثابتة شريكا للذات في قدمها ، وهذا لا يقول به إلا قاصر لا كشف له ولا استناد إلى الشريعة ، ولذلك يرى أن لحوق الأشياء بالذات هو لحوق حكمي فقط فيقول : " فالمخلوقات من حيث هويتها لا يقال فيها إنها حق إلّا من حيث الحكم لتدلّ عليه ، وإلّا فالحق منزه أن تلحق به الأشياء من حيث ذاته ، فما لحقوا به إلّا من حيث الحكم ، وهذا اللحوق لو لاح للمكاشف العارف أنه لحوق ذاتي فإن ذلك إنما هو على قدر قابلية المكاشف لا على الأمر الذي يعلمه اللّه من نفسه لنفسه ، وما أتت ألسنة الشرائع إلّا مصرّحة بانفراد الحق بما هو له ، وهذا التشريع هو على ما هو الأمر عليه ، لا كما يزعمه من ليس له معرفة بحقيقة الحقائق ، فإنه يلوح له شيء ، ويعزب عنه أشياء ، فيقول أن التشريع إنما هو القشر الظاهر ولم يعلم أنه جامع للبّ الأمر وقشره " « 3 » . وجملة القول أن الجيلي يرى أن اللّه أوجد الأعيان لها لا له ، وهي على حالتها بأزمانها وأماكنها ينكشف لها عن أعيانها وأحوالها شيئا بعد شيء إلى ما لا يتناهى على التتالي والتتابع ، فالأمر بالنسبة إلى اللّه واحد كما قال تعالى : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ « 4 » والكثرة في نفس المعدودات « 5 » ، كما يظهر لنا مدى الخلاف وعدم الاتفاق
--> ( 1 ) الجيلي ، كتاب النقطة ( حقيقة الحقائق ) ، ورقة 13 ، ص أ . وأيضا المناظر الإلهية ، ص 64 . ( 2 ) المصدر السابق ، ورقة 13 ، ص أ . ( 3 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 73 . ( 4 ) سورة القمر ، الآية : 50 ك . ( 5 ) الجيلي ، شرح رسالة الإسفار عن نتائج الأنوار ، ص 14 .