سهيلة عبد الباعث الترجمان
699
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
ومما يبدو لنا في حكمه على حدوث هذه الأعيان أو قدمها أنه مرتبط بقدم الذات ونسبة الأعيان إليها في العلم ، ولما كان العلم قديما قدم الذات فالأمر الحكمي لها هو هذا القدم على حين أن الحقيقة الوجودية لها هذا الحدوث فيقول : " ولما كان هذا القدم في حق المخلوقات أمرا حكميا والحدث أمرا عينيا قدمنا ما يستحقونه من حيث ذواتهم على ما ينسبون إليه من حيث الحكم ، وهو تعلق العلم الإلهي بهم ، فافهم . فقدم الحق أمر حكمي ذاتي وجوبي له ، وحدوث الخلق أمر حكمي ذاتي وجوبي للمخلوقات ، والمخلوقات من حيث هويتها لا يقال فيها أنها حق إلّا من حيث الحكم لتدلّ عليه ، وإلّا فالحق في نفسه منزه أن تلحق به الأشياء من حيث ذاته ، فما لحقوا به إلّا من حيث الحكم " « 1 » . ويشير الجيلي إلى العلاقة بين الأعيان الثابتة والوجود المطلق باعتباره الوجود الكلي الشامل لكل صورة إلهية كمالية وذلك بصورة رمزية حيث يرى أن الوجود المطلق هو الكتاب وأن الكتاب سور وآيات وكلمات وحروف ، وجريا على عادة الصوفية فإنه يتخذ من تلك الحروف والكلمات صورا رمزية تشير إلى حقيقة هذه الموجودات المسماة بالأعيان الثابتة ، فيفرّق بين كل منها لتمايزها عن بعضها البعض فيقول : " واعلم أن الكلمات هي عبارة عن حقائق المخلوقات العينية أعني المتعينة في العالم الشهادي ، والحروف فالمنقوط منها عبارة عن الأعيان الثابتة في العلم الإلهي . . . واعلم أن الحروف ليست بكلمات ، لأن الأعيان الثابتة لم تدخل تحت كلمة " كن " إلّا عند الإيجاد العيني ، وأما هي ففي أوجها وتعيّنها العلمي ، فلا يدخل عليها اسم التكوين ، فهي حق لا خلق ، لأن الخلق عبارة عمّن دخل تحت كلمة " كن " وليس الأعيان الثابتة في العلم بهذا الوصف حادثة ، ولكنها ملحقة بالحدوث إلحاقا حكميا لما تقتضيه ذواتها من إسناد وجود الحادث في نفسه إلى قديم . فالأعيان الثابتة المعبر عنها بالحروف ملحقة في العالم العلي بالعلم الذي هو ملحق بالعالم ، فهي بهذا الاعتبار الثاني قديمة " « 2 » ولذلك قال في تحديده لحقيقة هذه الأعيان الثابتة في رمزيته بالنقطة والحروف " . . . إن
--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 73 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 77 .