سهيلة عبد الباعث الترجمان

698

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

لحوقا حكميا ، لأن رجوع الوجود الخلقي إلى الحق من حيث الأمر عيني ، ومن حيث الذات حكمي ، ولا يفهم ما قلناه إلّا الأفراد الكمّل ، فإن هذا النوع من الأذواق مخصوص بالمحققين دون غيرهم من العارفين " « 1 » . فالأعيان الثابتة بهذا المعنى لم تستفد أي صفة من صفات الحق ، فلم يكتب لها القدم ولا الثبات أو الخلود ، إنما كتب لها الوجود فقط بواسطة الحق ، فكان إخراجها من الوجود العلمي بفعل الجود الإلهي فقال : " إن أعيان الممكنات ما استفادت إلّا الوجود ، والوجود ليس غير الحق . . . فما ظهر من الوجود بالوجود إلا الحق " « 2 » ويعقّب الجزائري على كلام الجيلي بقوله : " تعيّن عندما تجلى وظهر بذاته على ذاته في ذاته . . . وبهذا التجلي حصلت أعيان المعلومات في العلم الذاتي ثبوتا لا وجودا ، فسميت أعيانا ثابتة وشؤونا ونحو ذلك ، حصلت في العلم الذاتي باستعداداتها الكلية والجزئية وأحكامها واقتضاءاتها إلى غير نهاية ، وهذا التجلي الذاتي هو المسمى في اصطلاح الطائفة العليّة بالفيض الأقدس ، فالذات من حيث هي اقتضت لذاتها الحقائق الإلهية والأسماء الرحمانية ، وهذا هو مفهوم الأعيان الثابتة ووجودها لديه " « 3 » . ويصور لنا الجيلي كيفية إخراج هذه الأعيان من العلم الإلهي إلى العلم العيني لتصبح بعدها موجودات بالفعل ، وذلك بفعل الإرادة الإلهية ، حيث أنها مفتقرة إلى الظهور والتحقق بالوجود الفعلي لانعدام النسبة والتجانس بينها وبين الحق ، وعدم مجاراتها لقدم الذات فقال : " إن اللّه تعالى لما أراد أن يظهر من تلك الكنزية المخفية ، وأحب أن يخلق هذا العالم الكوني لمعرفته كما ورد في قوله تعالى في الحديث القدسي : كنت كنزا مخفيا . . . كانت الموجودات في ذلك التجلي الأزلي موجودة في علمه أعيانا ثابتة ، قد علم من قوابلها أنها لا تستطيع معرفته لعدم النسبة بين الحدوث والقدم ، والمحبة مقتضية لظهوره عليهم حتى يعرفوه . . . " « 4 » .

--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص . ص 72 - 73 . ( 2 ) الجيلي ، الإسفار عن رسالة الأنوار ، ص 289 . ( 3 ) الجزائري ( الأمير عبد القادر ) ، المواقف في الوعظ والإرشاد ، الجزء الثالث ، نشر دار اليقظة العربية ، دمشق ، 1976 ، ص 737 . ( 4 ) الجيلي ، الكمالات الإلهية ، ورقة 4 ، ص أ .