سهيلة عبد الباعث الترجمان
680
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
يظهر من تلك الكنزية المخفية ، وأحب أن يخلق هذا العالم الكوني لمعرفته كما ورد في الحديث القدسي : " كنت كنزا مخفيا . . . " الحديث . وكانت الموجودات في ذلك التجلي الأزلي موجودة في علمه أعيانا ثابتة . . . والمحبة مقتضية لظهوره حتى يعرفوه ، فخلق من تلك المحبة حبيبا اختصه لتجليات ذاته ، وخلق العالم من ذلك الحبيب لتصحّ النسبة بينه وبين العالم فيعرفوه بتلك النسبة " « 1 » . والعالم من حيث هو مجلى للحق فهو مخلوق على صورته ، مرتبط به ارتباط خلق بحق من حيث هما وجهي الحقيقة الوجودية ، لذا نرى الجيلي يرمز إلى هذه العلاقة القائمة بين الحق والخلق ، وما تنطوي عليه من فعل لخلق والإيجاد والإبداع بأنها علاقة قائمة على حب المعرفة للذات فقال : " ألا ترى أن الحق سبحانه وتعالى لما أراد ظهوره من علمه بالعين خلق العالم وصوره على صورته في حضرة الأين . ثمّ تجلّى على العالم بأسمائه وصفاته ، فعرفه كل ذي سمع وعين ، فالمعرفة نتيجة التناكح المعنوي ، أي دخول حكم الأسماء الإلهية والصفات الربانية في حقائق العالم ، فكان العالم مخلوقا منه كما خلقت حواء من آدم . ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم نتيجة التناكح الصوري الآدمي الحوائي ، فآدم سرّ العالم ، ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم سر آدم . . وهي المعرفة التي خلق اللّه العالم لأجلها في الوجود " « 2 » . ولا تقتصر العلاقة بين اللّه والعالم على الموجودات العاقلة فقط ، فللّه صلة بكل ما وجد من عالم معقول ، وعالم محسوس ، فاللّه هو مبدأ ظهور الحياة لكل الأحياء ، إنما تتفاوت الموجودات في الحصول عليها . ورغم " أن حياة اللّه في الخلق واحدة تامة ، لكنهم متفاوتون فيها ، فمنهم من ظهرت الحياة فيها على صورتها التامة ، وهو الإنسان الكامل ، فإنه موجود لنفسه وجودا حقيقيا لا مجازيا ولا إضافيا قربه ، فهو الحيّ التام الحياة " « 3 » على حين أن ظهور الحياة في باقي الموجودات غير تام ، فيكون وجودها لغيرها لا لنفسها كالنبات وغيره ومنهم من ظهرت الحياة فيه على صورة غير تامة
--> ( 1 ) الجيلي ، الكمالات الإلهية ، ورقة 4 ، ص ب . ( 2 ) الجيلي ، نسيم السحر ، ص 37 . ( 3 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ( بولاق ) ، ص 52 .