سهيلة عبد الباعث الترجمان
678
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
والعالم وصلته به ، ويرى أن إعطاء الموجودات مراتب وجودية هو أمر اعتباري فقط وذلك كي ينتظم الوجود بتسلسلها وترتيبها ، وهو في الواقع يهدف من وراء ذلك إلى تنظيم العلاقة بين الحق والخلق ، حيث أن النظام الكوني يقوم على الانسجام والتناسق بين الحق والخلق ، أو بين اللّه والعالم . ولكن ما طبيعة هذه العلاقة القائمة في الوجود ؟ إن العلاقة القائمة بين اللّه والعالم كما يحددها الجيلي هي علاقة إيجاد ورحمة . إذ أن من خصائص المرتبة الرحمانية الرحمة الشاملة لكل المراتب الحقية والخلقية على حد سواء ، فكان بذلك أن رحم اللّه الموجودات فأوجدها من وجود علمي إلى وجود عيني في عالم الشهادة ، فكانت الرحمة بذلك عامة في الخلق من الحق ، " فإنه بظهوره في المراتب الحقية ظهرت المراتب الخلقية ، فصارت الرحمة عامة في جميع الموجودات من الحضرة الرحمانية ، فأول رحمة رحم اللّه بها الموجودات أنه أوجد العالم من نفسه ، قال تعالى : وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ « 1 » " « 2 » فكان الوجود بذلك رحمة من اللّه للموجودات جميعها لافتقارها في وجودها إلى خالق مبدع يوجدها ، فهي ممكنة الوجود ، لا وجود لها بنفسها ، بل بقوة خارجة عنها ، فهي اذن موجودة بالقوة في العلم الإلهي . وهذه الموجودات هي مجموع العالم . فالعالم بأسره إذن مفتقر في إيجاده إلى قوة توجده وهي اللّه . كذلك يرى الجيلي أن الهدف من هذا الخلق هو النظام المحكم في الكون ، أي تنظيم العلاقة بين الحق والخلق ، فهو وإن كان قد خلق الخلق ليعرف ، فقد جعله كاملا لظهوره فيه ، وذاته تعالى كاملة لا نقص فيها ، فيقول : " الحمد للّه الذي أحب وجود العالم لمعرفته ، وخلق الموجودات على أكمل نظام بحكمته ، فجعل كل شيء كاملا راجعا إلى صفته ، لظهوره في كل موجود على حسب ما اقتضاه ذلك الموجود بقابليته ، فالظاهر واحد ، والظهور مختلف لوسع المظهر وضيقه ، ولطفه وكثافته ، وكل مظهر له محتد ظهوري من ذات الحق أو نعته ، وذلك المحتد عبارة عن معنى من معاني كمالات الواجب بذاته وصفته ، فالموجودات منتظمة المعاني على حسب مقتضى أسمائه
--> ( 1 ) سورة الجاثية ، الآية : 13 ك . ( 2 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 32 .