سهيلة عبد الباعث الترجمان
646
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
إليها . . . واعلم أن هذا التجلي الأحدي رابطة بين البطون والظهور ، يعني يصلح أن يكون أمرا ثالثا بين البطون والظهور ، كما نرى في الخط الموهوم بين الظل والشمس ، ولهذا يسميه المحققون بالبرزخية الكبرى ، فالأحدية برزخ بين البطون والظهور . . . وذلك هو عبارة عن حقيقة الحقيقة المحمدية . . . المعبّر عنها بمقام قاب قوسين أو أدنى ، وبالعلم المطلق ، وبالشأن الصرف . . . وكذلك قولهم فيه العلم المطلق : يريدون به من غير نسبة إلى العالم والمعلوم ، وقولهم فيه الوجود المطلق يريدون به من غير نسبة قدم ولا حدوث ، فذلك عبارة عن أحدية الجمع بإسقاط جميع الاعتبارات والنسب والإضافات ، وبطون سائر الأسماء والصفات " « 1 » . ويزيد على ذلك قوله : " الأحدية عبارة عن مجلى الذات ، ليس للأسماء ولا للصفات ولا لشيء من مؤثراتها فيه ظهور . فهي اسم لصرافة الذات المجردة عن الاعتبارات الحقية والخلقية " « 2 » . وينظر الجيلي إلى الأحدية نظرة تكاملية حيث يبطن فيها جميع الموجودات بمراتبها المختلفة ، وهذه النظرة التكاملية تعبر عن معنى كلي لما تشير إليه من حالة الجمع ، وليس للجزئي فيها دور ، فسبق بها علماء النفس المحدثين الذين ينظرون للشيء نظرة تكاملية " كالجشطلت " الذين لا يأخذون بالجزئي ، بل يرون الأشياء في مجموعها الكلي المتكامل . ولما كانت الأحدية أولى التنزّلات عن الذات ، فهي تشير إلى الوحدة دون ظهور جزئيات أي تكثّر أو تعدد فيها ، بل لها صفة الوحدة الكاملة التي تعتبر الفكرة الجوهرية في الصوفية ، والتي تشير إلى وحدة اللّه الكاملة . ويشير الجيلي إلى هذه الوحدة المتكاملة موضحا بالتمثيل الحسي لذلك فقال : " وهو - الأحدية - أول تنزّلات الذات من ظلمة العماء إلى نور المجالي ، فأعلى تجلياتها هو هذا التجلّي لتمخضها وتنزهها عن الأوصاف والأسماء والإشارات والنسب والاعتبارات جميعا ، بحيث وجود الجميع فيها ، لكن بحكم البطون في هذا التجلي لا بحكم الظهور ، وهذه الأحدية في لسان العموم هي عين الكثرة المتبوعة ، فهي في المثل كمن ينظر من بعد إلى جدار ، وقد بني ذلك الجدار من طين وآجر وجص وخشب ، ولكنه لا يرى شيئا من ذلك ، ولا
--> ( 1 ) الجيلي ، مراتب الوجود ، ص . ص 14 - 15 . ( 2 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ( بولاق ) ، ص 30 ، ( صبيح ) ، ص 25 .