سهيلة عبد الباعث الترجمان

645

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

إلى طبيعة هذا العماء فيقول : " العماء عبارة عن حقيقة الحقائق التي لا تتصف بالحقية ولا بالخلقية ، فهي ذات محض ، لأنها لا تضاف إلى مرتبة لا حقية ولا خلقية ، فلا تقتضي لعدم الإضافة وصفا ولا اسما ، هذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام : " العماء ما فوقه هؤاء ولا تحته هواء " ، يعني لا حق ولا خلق ، فصار العماء مقابلا للأحدية ، فكما أن الأحدية تضمحل فيها الأسماء والأوصاف ، ولا يكون لشيء فيها ظهور ، فكذلك العماء ليس لشيء من ذلك فيه مجال ولا ظهور " « 1 » وقد أشار البرزنجي إلى هذا العماء الذي يشير إليه الجيلي صراحة إلى أنه التجلّي الأول للذات ، وهو التعين الأول الذي هو حقيقة الحقائق " « 2 » . وجملة القول أن لحركة الوجود المطلق عند الجيلي فاعليتها وتأثيراتها ، كما أن نتائجها تعيّن لنا مراتبها الوجودية ومراحل تنزلاتها بحيث لا يطغى أحدها على الآخر ، وهذه المراحل كما رأينا لا تحدث بالصورة التي يصورها الفلاسفة بصدور الموجودات بعضها عن بعض ، إنما هي بالتنزّل عن الذات الإلهية الساذجة المجردة عن كل نسبة أو اعتبار ، وهي تبدأ بالأحدية أولى التنزّلات ، فما هو مفهوم الأحدية لدى الجيلي ؟ وما هي مرتبتها بالنسبة للتنزّلات جميعها ؟ . - الأحدية : هي المجلى الأول للذات الإلهية ، وهي أولى مراحل التنزّلات ، وتتمثل فيها حقيقة الذات الصرف المجردة عن أي نسبة أو اعتبار ، لكنها أنزل من الذات رتبة ، لهذا ينزل حكمها عن السذاجة والإطلاق . وبهذا تشير الأحدية إلى خطوة ابتعاد واحدة عن المطلقية ، وقد أشار الجيلي إلى حقيقتها بقوله : " المرتبة الثانية من مراتب الوجود هي أول التنزّلات الذاتية المعبّر عنها بالتجلي الأول ، وبالأحدية وبالوجود المطلق . . . وهذا التجلي الأحدي هو أيضا حقيقة صرافة الذات ، لكنه أنزل من المرتبة الأولى ، لأن الوجود متعيّن فيه للذات . والتجلي الأحدي العماء الأول يعلو عن مرتبة نسبة الوجود

--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 31 . ( 2 ) البرزنجي ، رسالة التحقيقات الأحمدية في حماية الحقيقة المحمدية ، مخطوط ، مكتبة الآجرية ، دمشق ، دون ترقيم .