سهيلة عبد الباعث الترجمان
644
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
مرحلة الوحدة أي الأحدية ، ثم مرحلة الهويّة ، وأخيرا مرحلة الإنيّة . هذه المراحل الثلاث لا تحدث بطريق الفيض أو الصدور ، إنما هي بطريق التنزّل ، وكل تنزل من هذه التنزلات يمثل مرتبة وجودية جديدة ، حيث يتم في كل مرحلة منها نوع من التغيير والتبديل لهذا الوجود المطلق ، ويظهرنا الجيلي على هذا الجانب من التنزل فيقول : " إن الذات الصرف الساذج إن أنزلت عن سذاجتها وصرافتها كان لها ثلاث مجال ملحقات بالصرافة والسذاجة . ( المجلى الأول ) الأحدية ، ليس لشيء من الاعتبارات ولا الإضافات ولا الأسماء ولا الصفات ولا لغيرها فيها ظهور ، فهي ذات صرف ، ولكن قد نسبت الأحدية إليها ، ولهذا نزل حكمها عن السذاجة . ( المجلي الثاني ) الهويّة ، ليس لشيء من جميع المذكورات فيه ظهور إلّا الأحدية ، فاتصفت بالسذاجة لكن دون لحوق الأحدية لتعقّل الغيبوبية فيها من طريق الإشارة إلى الغائب بالهويّة . ( المجلى الثالث ) الإنيّة ، وهي كذلك ليس لغير الهويّة فيها ظهور البتّة ، فالتحقت أيضا بالسذاجة لكن دون لحوق الهويّة لتعقل المتحدث فيها والحضور والحاضر ، والمتحدث أقرب إلينا رتبة من الغائب المتعقل المبطون " « 1 » . وهذه التنزلات كما يراها الجيلي على درجات ثلاث ، متغايرة فيما بينها في مواقعها ، - ولكن الأمر ليس كذلك لدى ابن عربي الذي يرى فيه ما يشبه الفيض - بحيث أن التعينات الكلية تتنزل في مراتبها حتى تصل إلى ما تحتها من التعينات الجزئية ، وهكذا . ومن هنا فإن هذه التنزلات لدى الجيلي تظهر العلاقة بين الحق والخلق بصورة منتظمة ، وليس الأمر هكذا لدى ابن عربي الذي يعمد إلى التمثيل والتشبيه لتوضيح الأمر . هذه المراحل الثلاث التي حددها الجيلي لتنزل الوجود المطلق ، يشعر بها الصوفي عند إشراق الأسماء الإلهية وإشراق الصفات ثم إشراق الذات . فخروج الذات الإلهية بهذا الشكل هو خروج من منطقة العماء كما حددها في تعريفه ، وهي محض الذات المجردة ، التي لا تضاف إلى أي مرتبة لا حقية ولا خلقية لصرافتها ، فالعماء كالوجود المطلق قبل تجلّيه في مراتب تنزلاته ، لا ظهور له . ويشير
--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ( بولاق ) ، ص 50 .