سهيلة عبد الباعث الترجمان
618
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
الذات ، سواء كان معدوما كالعنقاء « * » ، أو موجودا " « 1 » . كما يميز بين طرفي الحقيقة الوجودية ، إذ أن الوجود الحقّي وهو الذات الإلهية ، لها الوجود المحض لقيامها بنفسها ، على حين انعدام ذات الخلق لقيامها باللّه . وقد بين حقيقة هذه الذات الإلهية " بأنها عبارة عن نفسه التي هو بها موجود ، لأنه قائم بنفسه ، وهو الشيء الذي استحق الأسماء والصفات بهويته ، فيتصور بكل صورة يقتضيها منه كل معنى فيه . . . واستحق لوجوده كل اسم دلّ على مفهوم يقتضيه الكمال ، ومن جملة الكمالات عدم الانتهاء ، ونفي الإدراك ، فحكم بأنها لا تدرك ، وأنها مدركة له لاستحالة الجهل عليه . . . " « 2 » . ويعلي الجيلي من شأن هذه الذات لعلو مرتبتها ، فلها مرتبة الوجود الأولى المقدسة عن سائر النسب والإضافات والتجليات لصرافتها ومحض وجودها ، فلا يمازجها أي وجود آخر ، وفي ترفّعها هذا تغيب عن العقول ، فلا تدرك حقيقتها لقداستها فقال : " هي الذات الإلهية المعبّر عنها ببعض وجوهها بالغيب المطلق . . . لذلك سماها بعض العارفين بالعدم المقدّم على الوجود ، يريد بذلك عدم لحوق نسبة الوجود بمطلق الصرافة الذاتية التي علت على النسبة وغيرها ، لا يريد بأنها معدومة فتوجد بعد ذلك . . . بل لكونها حقيقة الوجود البحت التي هي الظلمة التي لا نور فيها ، أي مجهولة من كل الجهات ، لا سبيل إلى معرفتها بوجه من الوجوه " « 3 » ولهذا قالت الطائفة فيه : " أنه المسكوت عنه ، ومن ثمّ لا يدخله بعض المحققين في مراتب الوجود ، فيقول أنه من وراء الوجود " « 4 » . لهذا نفى الجيلي الوصول إلى معرفة الذات لعدم المناسبة والتفاوت القائم بينها وبين الإنسان . فالذات محجوبة عن الخلق لا يدركها كنهها إلا من وهب
--> ( * ) العنقاء : استفاد ابن عربي من فقدان وجود العنقاء الحسي ليطلقه تشبيها على الهباء الذي لا وجود لعينه . قال : فإن قلت العنقاء قلنا الهباء لا موجود ولا معدوم على أنها تتمثل في الواقعة ويقول ابن عربي هو الهباء الذي فتح اللّه به أجساد العالم ، ( اصطلاحات ابن عربي ، ص 68 ) ، ( انظر المعجم الصوفي ، ص 829 ) . ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 13 . ( 2 ) الجيلي ، مراتب الوجود ، ورقة 3 ، ص ب . ( 3 ) المصدر السابق ، ورقة 3 ، ص ب . ( 4 ) المصدر السابق ، ورقة 3 ، ص ب .