سهيلة عبد الباعث الترجمان

619

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

المعرفة بالعلم الإلهي وهو العلم اللدنّي الذي خصّ به أهل المعرفة ، وذلك أنه تعالى حين أوجد الخلق جبلهم على تعظيم ذاته ، ولذا فقد تعذّر على الخلق شهود ذات الحق . وهذا ما عناه بقوله تعالى : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ « 1 » ذلك لأنهم عظّموا صفاته وجهلوا ذاته . فأضاعوا سبيلهم إلى المعرفة ، فلو شهدوا الحق في حقائقهم من حيث هي انعكاس لصورة الحق على مرآة الوجود دون حلول فيهم ، لاستطاعوا أن يصلوا إلى إدراك ما يريدون ، وتجلت لهم العظمة الإلهية في الأكوان ، وعرفوا أن اللّه هو الموجود على الحقيقة ، وما وجود الخلق إلا أثر من مظاهره وتجلياته ، فلا يشهدوا بعد ذلك لشيء سواه وجودا " « 2 » . ويرى الجيلي فيما يراه بحق الذات أنها على ما لها من الصرافة والسذاجة ، فهي حقيقة جامعة بين الأضداد ، فهي ملتقى المتضادات ونقطة تجمع المتناقضات فيقول : " ولكن من غرائب شؤون الذات جمع النقيضين من المحال والواجب ، فكل ما يستحيل في العقل ويصوغ في العبارة والنقل فإنك تشهده من الأحكام الواجبة في الذات ، وإلى ذلك أشار أبو سعيد الخرّاز " عرفت اللّه بجمعه بين الضدين " ، ولا تظن بأن مطلق جمعه للأول والآخر والظاهر والباطن ، بل الحق والخلق ، والتفاضل وعدم التفاضل . . . فإنه سبحانه وتعالى يجمعها بالشأن الذاتي ، وهويته عبارة عن جميع ذلك " « 3 » وفيه قوله شعرا : تجمعت الأضداد في واحد البها * وفيه تلاشت فهو عنهنّ ساطع « 4 » ويتساءل الجيلي بدوره عن كيفية جمع الأضداد في ذات الحق فيقول : على علمي معناك ضدان جمّعا * ويا لهفي ضداه كيف التجامع « 5 » كل ذلك في نظر الجيلي معناه أن الذات الإلهية تجمع بين طرفي الحقيقة الوجودية على ما فيها من تضاد ، فهي حق وخلق . وهذه دلالة على وسع الحق تعالى ، فهو الواسع

--> ( 1 ) سورة الأنعام ، الآية : 91 م . ( 2 ) الجيلي ، الكمالات الإلهية ، ورقة 31 ، ص أ . ( 3 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 79 . ( 4 ) النابلسي ( عبد الغني ) ، شرح القصيدة العينية ، ورقة 2 . ( 5 ) الجيلي ، النوادر العينية ، القصيدة ، البيت 101 .