سهيلة عبد الباعث الترجمان

605

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

فقال : " ألا أن الوجود بلا محال خيال في خيال في خيال ، وأما الوجود الإلهي حقيقي لا خيالي ، فلا ثبوت لشيء في الوجود الحقيقي ، فنفس وجود الكوني خيال ثبت في خيال العلم أولا ثم في خيال الوجود الخارجي ثانيا " « 1 » . ويتفق في هذا الشأن مع ابن عربي ومعاصره ابن سبعين فيما ذهبا إليه من أن الوجود الحقيقي هو وجود إله واحد هو أصل كل الوجود وأن وجود العالم ليس إلا كظلال بالنسبة لأشخاصها ، وصور المرايا بالنسبة للمرئيات ، أما العالم فليس إلا خيالا وحلما يجب تأويله لفهم حقيقته . وعلى ذلك فالأمر لدى هؤلاء جميعا هو اعتباري فقط . فالتقسيم والحالة هذه ليس بواقع على الحقيقة إلا في الوهم ، وهو الذي يفعل فعله ليرى حقيقة الأشياء ، إنما جوهر الوجود هو الحق الواحد المطلق الذي لا تقييد فيه . هكذا نلاحظ أن الوجود الحق في نظر الجيلي هو الوجود الإلهي ، وما عدا ذلك لا يعدو أن يكون خيالا في خيال ، لكن ما هي الصورة التي يظهر بها هذا الوجود الواحد الحق ، وما تصوره له ؟ الوجود بأكمله كما يراه الجيلي لا يخرج عن كونه دائرة تجمع فيها الوجود كله بكل ما فيه من مظاهر وجودية ، حقية وخلقية ، باطنية وظاهرية ، دون إثنينية فيهما . فالدائرة هي أكمل المظاهر له كما يرى الصوفية ، ولا فرق بين النقط في الدائرة لتعادل النسب فيما بينها في مواقعها إذ أن أول نقطة في الدائرة هي آخر نقطة فيها ، كما أن آخرها هو أولها ، بل إن كل نقطة منها هي جزء من أجزائها ، مما يدل على أن الوجود واحد ، وكل متعين فيه هو جزء من أجزائه ، وبذلك يرد الكثرة الوجودية التي تظهر في الوجود إلى الوحدة ، هذه الوحدة هي الوجود الواحد وهو " اللّه " وهذا روح مذهبه في الوحدة . ويتمثل في هذه الدائرة مظاهر الوجود جميعها ، فهو إذ يتصور الوجود على هذه الهيئة الدائرية ، فإنه يرى فيها هيئة كل شيء في الوجود ، فأسماء اللّه تعالى ، والنفس الإنسانية ، والنقطة والحرف ، كلها ترمز إلى الشكل الدائري بحيث يظهر الوجود وحدة متكاملة في وجوده وهيئته ومكوناته وما إليها من موجودات أخرى « 2 » .

--> ( 1 ) الكردي ، شرح الجلالة ، مخطوط ، دمشق ، مكتبة خاصة ، ورقة 5 . ( 2 ) الجيلي ، لوامع البرق الموهن ، ورقة 15 ، ص ب .