سهيلة عبد الباعث الترجمان

606

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

وقد يستخدم الجيلي الصور التشبيهية في تقريب تصوره للوجود بحيث يسوق الأمثلة على ذلك فيقول مستندا إلى الحديث : " ويسعني قلب عبدي المؤمن . . . " « 1 » فظهر عظم هذه اللطيفة « * » الإنسانية وشرفها وفضلها على العالم الكبير ، وبان أن العالم الكبير كالنقطة للمحيط ، فإن المحيط ولو كبرت هيئته مركّب على تلك النقطة ومنها ، وللنقطة إلى كل جزء من الدائرة نسب مخصوص وتفضل على الدائرة بما يختصّ به بعد ذلك من عدم التعدد في نفسها . . . فالنقطة هو اسم اللّه ، والمحيط هو اسم الرحمن . . . وقد بينا لك أن النقطة لها إلى كل جزء من أجزاء الدائرة نسب وإضافات . . . كما أن الدائرة ليست إلّا عين النقطة لظهور النقطة في كل جزء منها . فما ثمّ في الدائرة إلا النقطة " « 2 » . ولما كان الوجود يمثل دائرة تحوي جميع الموجودات ، فإن هذه الموجودات متباينة فيما بينها ، فمنها ما هو حقّي ، ومنها ما هو خلقي كما أسلفنا ، فإنه يمكننا القول بأن الجيلي رغم قوله بالوحدة الكاملة في الوجود فإنه يرى الوجود منقسما في الوقت نفسه بين وجود حق ووجود خلق ، وهذه القسمة لديه ليست ثابتة مثبتة ، إنما هي قسمة اعتبارية فقط لأن ذلك يتنافى والقول بوحدة الوجود فنراه يقول : " إن شئت قلت الدائرة حق وجوفها خلق ، وإن شئت قلت الدائرة خلق وجوفها حق . فهو حق وهو خلق ، وإن شئت قلت الأمر فيه بالإلهام ، فالأمر في الإنسان دوري بين أنه مخلوق له ذل العبودية

--> ( 1 ) الحديث : سبق تخريجه . ( * ) اللطيفة الإنسانية : هي النفس الناطقة المسماة عندهم بالقلب وهي في الحقيقة تنزل الروح إلى رتبة قريبة من النفس مناسبة لها بوجه ومناسبة للروح بوجه ، ويسمى الوجه الأول الصير والثاني الفؤاد ( التعريفات ، الجرجاني ، ص 168 ) . ( 2 ) الجيلي ، الكهف والرقيم ، ص 31 .