سهيلة عبد الباعث الترجمان
603
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
ويتفق الجيلي في ذلك مع ابن عربي حول قيام الوجود بنفسه ، وكل موجود به ، ولا وجود غير اللّه تعالى . وهو الواحد القيوم الذي قام به كل شيء « 1 » . وهذا عين ما أشار إليه الغزالي : بأن الوجود قام بنفسه وبه يقوم كل موجود ، ولهذا فإن ما يراه النابلسي من أن أهل الحق القائلين بوحدة الوجود إذا قالوا : " ما في الوجود إلا اللّه " فمرادهم من حيث القيومية ، فإن به تعالى قيام كل شيء ، وهو القائم على كل نفس بما كسبت ، ومن حيث تجليّه وإمداده وتوليه ، لا أنّ هذه الصورة الحادثة ، الفانية ، المقيدة ، المحدودة وجوده ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا « 2 » . ورغم سريان الحياة الإلهية في الموجودات ، فإنها على درجة من التباين والاختلاف فيما بينها ومدى قربها من الحق أو بعدها عنه ، كذلك رغم أن حياة اللّه واحدة في الخلق ، فإن التفاوت قائم في نفس الموجودات ، ومن هنا كانت الحياة بالنسبة إلى الحق وجودا حقيقيا لا مجازيا ولا إضافيا ، بل له الكمال المطلق ، لأنه الحي التام ، على حين نراه في الموجودات وجودا إضافيا ، وقد أشار إلى ذلك حيث قال : " وجود الشيء لنفسه حياته التامة ، ووجود الشيء لغيره حياة إضافية له ، فالحق سبحانه وتعالى موجود لنفسه ، فهو الحي ، وحياته هي الحياة التامة ، فلا يلحق به ممات ، والخلق من حيث الجملة موجودون للّه ، فليست حياتهم إلّا حياة إضافية ، ولهذا التحق بها الفناء والموت . . . " « 3 » وهذه إشارة إلى وجود آخر غير الوجود الإلهي وهو الوجود الكوني الذي وجد بفضل الجود الإلهي فقال : " وأبرز إلى الوجود بالجود ما اكتنز في العدم ، وأفتق وأرتق ، وأظهر وأكتم ، وعلّم بالقلم الملقب بأم الكتاب واللوح المحفوظ المسّمى بالكتاب المبين ما لم يعلم " « 4 » . ورغم كل ذلك فإن أي وجود في نظر الجيلي لا يخلو من التحقق بقدسية الحق ، إذ له في كل موجود وجه إلهي يقوم به هذا الوجود ، وروح القدس هي روح اللّه
--> ( 1 ) البرزنجي ، الجاذب الغيبي ، ص 325 . ( 2 ) النابلسي ، مصدر سابق ، ص 328 . ( 3 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 44 . ( 4 ) الجيلي ، مختصر مرآة العارفين ، مخطوط ، مكتبة الأزهر بالقاهرة ( ضمن مجموعة ) ، ورقة 1 .