سهيلة عبد الباعث الترجمان
602
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
وقد بحث الأشعري في الصفات بحثا عقليا ، فنفى التشبيه أي مشابهة اللّه للمخلوقات واستدل على ذلك ببراهين عقلية ، وقد جاء في كتاب " اللمع " أن الباري سبحانه لا يشبه المخلوقات لأنه لو أشبهها لكان حكمه في الحدث حكمها ، ولو أشبهها لم يخل من أن يشبهها من كل الجهات أو بعضها وإن أشبهها من جميع الجهات كان محدثا مثلها من جميع الجهات ، وإن أشبهها من بعضها كان محدثا من حيث أشبهها ويستحيل أن يكون المحدث لم يزل قديما وقد كان اللّه تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ « 1 » . وعليه فأننا نجد أن رأي الجيلي وابن عربي يتفقان مع أهل السنة في نفي المثلية عن اللّه ، ومع الأشعرية بنفي التشبيه عنه . وهكذا نرى أن تحديده لمفهوم الوجود على هذا النحو جعله من القائلين بوحدة الوجود ، هذه النظرة التي تشتمل على وجهي الحقيقة الوجودية الحقية والخلقية على حد سواء . إذ يحتم عليه منطق مذهبه إيجاد الوجهين الضروريين للوجود ، وجود حق قائم بذاته ، وموجودات قائمة به ، مفتقرة إليه في إيجادها لأنها معدومة في ذاتها ، وهذا استنادا إلى اسمه تعالى " القيوم " فيرى أن القيومية تطلب صحة وقوع النسبة بين اللّه وعبده ، لأن القيّوم من قام بنفسه وقام به غيره ، فالحق هو قيّوم نفسه لأنه قيام ذاتي . كما أن استعمال الصوفية للّفظين " الوحدة " و " التوحيد " هما للدلالة على المذهب القائل بأن الكائنات لا توجد بذواتها ، بل هي تستمد وجودها من اللّه ، وقد نبه النابلسي إلى ما ذهب إليه أصحاب هذا المذهب فقال : " إعلم أنك إذا سمعتنا نقول أن الوجود هو اللّه تعالى فلا تظن أننا نريد أن الموجودات هي اللّه تعالى ، سواء أكانت الموجودات محسوسات أو معقولات ، وإنما نريد بذلك أن الوجود الذي قامت به الموجودات هو اللّه تعالى ، فإن من أسمائه " الحي القيوم " وأخبر تعالى أن السماوات والأرض قائمة بأمره ، فهو ظاهر بذاته ، باطن بأسمائه وصفاته ، لأن ذاته حقيقة حقة مطلقة بالإطلاق الحقيقي عن جميع القيود " « 2 » .
--> ( 1 ) الأشعري : اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع ، نشرة الأب مكارثي ، بيروت ، 1952 ، ص . ص 7 - 8 . ( 2 ) النابلسي ( عبد الغني ) ، كتاب الوجود وخطاب الشهود ، ورقة 213 .