سهيلة عبد الباعث الترجمان

560

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

بارع في علم الحقيقة فليسلّم إليه مقاديره ويكون لديه كالميت عند غسله يقلّبه كما يشاء ويكون طوع أمره ، في غاية الأدب في الامتثال لمطالبه « 1 » . لذلك نراه وقد اتخذه شيخا ومدبرا وآمرا وموجها ، فلزمه ورأى فيه أستاذا جليلا فهو : أستاذ الدنيا ، والقطب الكامل ، والمحقق الفاضل وشرف الدين « 2 » . وزيادة في التأكيد على هذه الصفات فقد ميّزه عن غيره فقال فيه أنه " غربيب الأولياء " « * » وهذا مما لا يتصف به إلا أكابر الرجال من الصوفية الذين بلغوا شأوا بعيدا في التصوف من أصحاب الكرامات . زد على ذلك أن الشيخ الجبرتي من أتباع مدرسة ابن عربي والآخذين عنه ، لذا كان ينصح تلاميذه بقراءة كتب ابن عربي ويتمثل ذلك في قوله لأحد تلاميذه : " عليك بكتب الشيخ محي الدين العربي ، فقال له التلميذ : يا سيدي إن رأيت أن أصبر حتى يفتح اللّه عليّ به من حيث الفيض ، فقال الشيخ إن الذي تريد أن تصير له هو ما ذكره الشيخ لك في هذه الكتب " « 3 » وعلى ذلك ، فإنا نتبين أن الجبرتي كان داعيا إلى نحلة ابن عربي ، جاعلا من كتابه فصوص الحكم مصدرا أساسيا من مصادر التصوف لا تكتمل منزلة الصوفي إلا بتحصيله ومعرفته ، « 4 » وهذا ما يدلنا على أن الجبرتي كان من أصحاب وحدة الوجود كابن عربي ، ولعل الجيلي كان متأثرا بأستاذه الشيخ الجبرتي الذي كان يأمر تلاميذه أيضا بقراءة كتاب الفصوص لابن عربي . وكان من المتشيعين لنحلة هذا المتصوف الأخير « 5 » .

--> ( 1 ) الجيلي ، النوادر العينية ، ص 163 . ( 2 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الثاني ، ص 24 . ( * ) غربيب وأسود ( غربيب ) بوزن قنديل أي شديد السواد ، فإذا قلت : ( غرابيب ) سود كان السود بدلا من غرابيب ، لأن توكيد الألوان لا يتقدم وهنا غربيب الرجال أي أشدهم وأكثرهم تمسكا بالحياة الروحية ووصولا إلى التحقق بالكرامات لصفاء روحه ونقاء سريرته . ( مختار الصحاح تأليف محمد بن أبي بكر عبد القادر الرازي . مكتبة الهلال ، بيروت ، 1983 ، ص 470 ، المجند ، ص 548 ) . ( 3 ) الجيلي ، مراتب الوجود وبيان حقيقة كل موجود مخطوط ، ورقة 2 ، ص أ . ( له نسخة مطبوعة ) . ( 4 ) الشوكاني ، البدر الطالع ، الجزء الأول ، ص 139 . ( 5 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 139 .