سهيلة عبد الباعث الترجمان
548
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
على ما يبدو من حياة الجيلي أدنى شك أو غموض حول رحلاته إذ أن الصوفي ابن وقته ورهين الأمر الإلهي . وأيا ما كان الأمر ، فإن استقراره بمصر كان يمثل مرحلة جديدة من حياته لها صفاتها ومميزاتها الخاصة ، فهو هنا في أواخر العقد الرابع من العمر ، وقد خبر لجّة الحياة ، ونال ما ناله من المعرفة في الغوص بعالم الروح والحقيقة ، واتصل باللّه وعرف حقائق الموجودات ، وكانت له تجليات ، لذلك فإن اعتكافه بمصر ، وابتعاده عن ممارسة الحياة الصوفية هيأ له الفرصة المناسبة للتفرغ إلى الكتابة والتأليف والتسجيل ، يدل على ذلك وفرة مؤلفاته التي صرّح بأنه ألّفها بالقاهرة ، إضافة إلى وجود أغلب كتبه ورسائله التي بخطه محفوظة في مكتبات هذه المدينة وخزائنها . ولا ندري بالضبط مقدار المدة التي مكث فيها الجيلي بالقاهرة ، قبل ارتحاله إلى بغداد ، وما إذا كان قد عرج على بلدان أخرى زائرا لها ، أو مقيما فيها ، وذلك لما ورد في كتابه " الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل " من الإشارة إلى كثرة سياحاته ومشاهداته ورحلاته في شتى الأماكن والبلدان ، من ذلك ما وصف به بعض المدن والأجناس والبحار ، كوصفه " البحر الأخضر " حيث يذكر أنه " ليس فيه حوت ومن يركبه يموت . رأيته وعلى ساحله مدينة مطمئنة أمينة . . . ثم إني رأيت أهلها مشغوفين بركوب البحر ومتعلقين بحب هذا الأمر . . . " « 1 » وكذلك حديثه عن " البحر الأحمر " حيث يقول فيه : " رأيت على ساحل هذا البحر رجالا مؤمنين ليس لهم عبادة إلا تقريب الخلق إلى الحق ، قد جبلوا على ذلك ، فمن عاشرهم أو صاحبهم عرف اللّه بقدر معاشرتهم . . . وليس في هذا البحر من السكان سوى دوابه والحيتان " « 2 » . كما أنه وصف ما سماه " بالبحر النّتن " بقوله : " صعب المسالك ، قريب المهالك ، هو طريق السالكين ومنهج السائرين ، يروم كل أحد المرور عليه ، ولا يصل إلا العبّاد إليه . . . رائحة حيتانه كالبغال والجمال تحمل الكل وأعباء الأثقال إلى بلد الدّر النفيس . . . وأكثر مراكب
--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل الجزء الثاني ، ( بولاق ) ، ص 74 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 73 .