سهيلة عبد الباعث الترجمان

544

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

والوقوع في الحيرة من تقلبه في الأحوال ، ولم ينل مبتغاه حتى التقى وهو في مكة المكرمة بالشيخ شرف الدين إسماعيل بن إبراهيم الجبرتي ( ت 806 ه ) ، فأخذ عنه آداب الطريقة ، وتلقّن منه الأذكار الصوفية بأمد قصير لا يزيد على سبعة أيام " حصلت له فيها الجذبة " المطلوبة « 1 » ، وقد أشار إلى ذلك فقال : إلى أن أتتني من قديم عناية * أيادي لها مذ كنت عندي ضايع . . . فلما أضاءت في الحشا جذوة الهوى * وأومض من سفح المحبة لا مع . . . فقاطعت ندماني وواصلت لوعتي * وهاجرت أوطاني فأنت مراتع . . « 2 » وتمثّل هذه الحالة مرحلة من مراحل شبابه التي بدأ ينشغل فيها بالموضوعات الصوفية الكبرى التي كانت تجذبه ، فقد صرح في كتابه " المناظر الإلهية " أنه تحقق بمشهد من مشاهد إرادة الإنسان الكامل سنة 783 هجرية وهو ما زال في السادسة عشرة من عمره « 3 » ، مما يدل على سيره المبكر في طريق التصوف ، وقد صور نفسه في قصيدته العينية أنه نزّاع إلى العلى ، جمّاع إلى كل بعيد ، لذلك بدا منشغلا بما هو أعلى وأبعد مما حققه من أمنيات ، ومطلبه هو الذات الإلهية دون سواها ، وهذا ما دفع به إلى السياحة الصوفية بحثا عن حقيقتها ، سعيا وراء الرجال لأخذها عنهم والتحقق بها . هكذا كانت بداية عهده بالتصوف ، قلق واضطراب ، لا يستقر له مقام ، بل ما فتئ يرحل من أرض الأرض ، راميا بقصده نحو الذات الإلهية ، حتى تم له التحقق بالوحدة ، فكانت نهايته التوحد بما ناله من الكمالات والتفرد بما وصل إليه من المقامات ، وغدا مميزا عن أهل زمانه ، كاتما عنهم أسراره فقال : لي في الغرام عجائب * وأنا وربك ذو العجائب قطبي يدور على رحى * فلك تدور به الغرائب ، رمزي الذي لي في الهوى * أعيا قراءة كل كاتب ، أظهرته بعبارة دقت * فلم تفهم لصائب . . . ،

--> ( 1 ) الجيلي ، شرح قصيدة صوفية ، مخطوط دون رقم . ( 2 ) الجيلي ، النوادر العينية ، ورقة 100 ، ص ب ، ورقة 101 ، ص أ . ( 3 ) الجيلي ، المناظر الإلهية ، ط أولى ، مكتبة الجندي ، مصر ، 1382 ه / 1962 م ، ص 79 .