سهيلة عبد الباعث الترجمان

543

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

وتهدد القطر بأخطار غزوات خارجية عديدة ، فكان هذا الظرف إضافة إلى اتجاه الأسرة الصوفي أهم عامل دفع بعبد الكريم منذ صباه إلى الالتجاء إلى عالم التصوف ، حيث وجد فيه ما كانت تصبو إليه نفسه في الارتفاع الروحي عن اضطراب العالم المادي الذي كانت أحداثه تموج من حوله « 1 » ، وكان باب الولوج إلى ذلك العالم مفتوحا بالنسبة إليه ، وسرعان ما سلك الطريق المعتاد لأمثاله ، فانخرط في خدمة مشايخ الصوفية في عهده كخطوة أولى في طريق الوصول إلى الحقيقة ، وشاهد أساليبهم وطرقهم ، فآمن بها إيمانا عميقا لا تشوبه شائبة ، قال مخبرا عن ذلك في شرحه لقصيدة صوفية : " ولقد حصل لي بحمد اللّه من ذلك كله نصيب وافر ، وعاينت أثناء الخدمة أحوال القوم ، وجمعت بين الخبر والمشاهدة فإني كنت مصدقا بكل ما أسمعه من أحوال القوم ولا أتطلبه ، وإنما مقصودي محض العبودية ، وكنت أسمع المشايخ في كتبهم يقولون : لا بد من الشيخ في الطريق ، وهو وإن كان أعزّ من الكبريت الأحمر ، لكن من صدق في الطلب ظفّره اللّه بالاجتماع به ، فكنت عاضا على هذه الوصية بالنواجذ ، ملازما للآداب المذكورة عن المشايخ في آناء الليل وأطراف النهار " « 2 » . وقد ساعده على ذلك ما كان لديه من استعداد فطري للكمال منذ طفوته ، بعيدا عن الدناءات التي تذل النفس وتشقيها ، وربما كان ذلك نتيجة للبيئة التي نشأ فيها ، فقد صور في قصيدته العينية مراحل تطور طفولته التي مر بها ، والتي هيأته لنيل هذه المكانة فقال : ومذ كنت طفلا فالمعالي تطلبني * وتأنف نفسي من كل ما هو واضع ولي همّة كانت وها هي لم تزل * على أنّ لها فوق الطّباق صوامع « 3 » إلّا أن خدمة المشايخ ، والرغبة الصادقة في العبودية ، لم تكن لترضي طموح الشاب على حد تعبيره « 4 » . وقد أصابه ما يصيب السالك في أول الطريق من صراع النفس

--> ( 1 ) مجلة الأقلام ، بغداد ، الجزء الخامس ، السنة السادسة ، 1389 ه / 1970 م ، ص 116 . ( 2 ) الجيلي ، شرح قصيدة صوفية ، مخطوط ، بغداد ، دون ترقيم ، ورد في مجلة الأقلام لعماد عبد السلام رؤوف . ( 3 ) الجيلي ، النوادر العينية ، القصيدة ، ورقة 10 ، ص ب . ( 4 ) الجيلي ، شرح قصيدة صوفية ، مخطوط دون رقم .