سهيلة عبد الباعث الترجمان

528

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

المعرفة فقال : " . . . ولقد علمت من جميع ما قررناه في هذا المبحث أن طريق المعرفة باللّه عند القوم إنما هو الكشف لا الظن المبني على الفكر . . . " « 1 » ووسيلته في ذلك الكتاب والسنة فتدرك الأمور يقينا لا ظنا وتخمينا . هذا العلم في مجمله يمثل الجانب الهامّ في تصوف ابن عربي القائم على الكشف والذوق والتجربة الروحية التي استطاع بفضل رياضاته ومجاهداته أن يتحقق بوراثته للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ففتحت له أبواب العلم الإلهي ، ونال بها العلم اللدنّي الذي كشف له عن أسرار وحقائق إلهية يعزّ إدراكها بالعقل أو الفكر ، وهذا ما أدّى إلى اعتباره متفلسفا على حين يعتبر ابن عربي أن ذلك ليس إلا علما إلهيا أفاضه الحق عليه وأنطقه بما رأى من أمور تغرب عن الخيال عند أهل النظر . وعليه فإن كل ما عزّ إدراكه على أهل الفكر والنظر وصعب مناله من أفكاره وآرائه وعلومه ليست في الواقع سوى التجليات الإلهية والنفحات الربانية التي تلقّاها بعد مجاهداته ورياضاته ونقاء طويته ، لذلك سمت آراؤه وعلت فدقّت على الفهم لدى أصحاب النظر العقلي الذين قال فيهم " فإن أصحاب الأفكار ما برحوا بأفكارهم في الأكوان ، فلهم أن يحاروا ويعجزوا ، وهؤلاء ارتفعوا عن الأكوان وما بقي لهم شهود إلّا فيه ، فهو مشهودهم والأمر بهذه المثابة ، فكانت حيرتهم باختلاف التّجليات أشد من حيرة النظار في معارضات الدلالات عليه . . . " « 2 » كذلك فإنه من المؤكد أن ابن عربي لم يأخذ بالفكر بل بالإلهام الإلهي وذلك استنادا لما ورد في مقدمة كتابه " الحكمة الإلهامية " ، وهو تفنيد لمذهب المشائين وآرائهم على نمط " تهافت الفلاسفة " للغزالي ، فيقول في مقدمته بأنه بعد أن بدأ في تصنيفه مرض بوجع في دماغه وضعف في ذهنه ، ولكنه استفاد من هذا المرض استفادة عظيمة لأنه لم يسمح له بالتفكير في هذه المسائل الطبيعية والميتافيزيقية ، فألهمه اللّه حلّها دون تفكير ولا تأمل نظر « 3 » .

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 319 . ( انظر الشعراني ، اليواقيت ، الجزء الأول ، ص 46 ) . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 272 . ( 3 ) بلاثيوس ( ميجيل أسين ) ، ابن عربي ، حياته ومذهبه ، مرجع سابق ، ص 85 .