سهيلة عبد الباعث الترجمان
529
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
هكذا كان شأن ابن عربي في معالجة مثل هذه القضايا التي توسع فيها حسب ما أعطاه الكشف الإلهي ، فظهرت العلوم والمعارف الربانية التي تجمع بين علومه الكسبية السابقة وعلومه الوهبية ، كما غلب عليه طابع التوحيد علما وخلقا وخلقا « 1 » كما أن تسميته بالصوفي المتفلسف لم تكتمل صورتها لدى هؤلاء المدّعين إذ يصفونه بأنه يعوزه المنهج الفلسفي الدقيق والتحليل العلمي المنظم « 2 » ، رغم أنه قد وهب بسطة في الفكر والخيال وعمقا في الحسّ الروحي ، وليس هذا في الواقع إلّا نتيجة لنشأته الصوفية ، إذ لم يبدأ فيلسوفا عالج القضايا والمشاكل على غرار ما عالجها الفلاسفة الخلّص كابن سينا ومن عاصره من الفلاسفة ، بل ارتكزت بدايته على الفقه والأحكام الشرعية والعلوم الدينية والكلامية التي تلتزم جميعها طريقا إيمانيا عميقا يقوم على التسليم الكامل التام ، ولكن من خلال تأملاته في آفاق ذاته انتهى به المطاف إلى القول بوحدة الوجود ، ولكنه لم يكن لينتهي إلى ذلك عن طريق المعرفة لو لم يرافقها الصفاء الروحي المشرق ، الذي لا يمكن إدراكه إلّا بالتجريد ، أي تجريد الإنسان بظاهره عن الأغراض وباطنه عن الأعراض كما يقول الصوفية ، إذ لولا تطهّر النفس من كل متعلقاتها لما وصل إلى هذه النتيجة التي لا غاية له فيها إلا الاتصال باللّه تعالى . وهكذا يتضح أنه آثر إهمال منهج العقل أي منهج التحليل والتركيب ، والأخذ بمنهج التصوير العاطفي والرمز والإشارة ، ذلك أنه لم يكن فيلسوفا بالمعنى الأرسطي ، معتمدا على العقل في البحث ، بل إنه غلّب الجانب الروحي رغم أنه لم يهمل العقل نهائيا لأن تصوفه كان تصوفا واعيا بعيدا عن الشطح . وعليه فإنه من الحق أن نقول : أن عقائد ابن عربي لم تعالج معالجة فلسفية بحتة ، إذ أنه يكتب تحت إيحاء سريع ، لم تكن غايته تقديم بيان مقنع ذهنيا مقبول عقليا ، بل يرى أنها نظر حقيقي أو رؤيا للحقيقة يتوقف إدراكها على مزاولة الطرق الخاصة لنواله ، فالطريقة والعقيدة ساقان يساعدان على تسلق الجبل الروحي « 3 » .
--> ( 1 ) ابن العماد ، شذرات الذهب ، مجلد 5 ، ص 196 . ( 2 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، التعليقات على الفصوص ، مرجع سابق ، ص 9 . ( 3 ) نصر ( سيد حسين ) ، مرجع سابق ، ص 138 .