سهيلة عبد الباعث الترجمان
515
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
وما ذكر أنه خرج في كشفه عمّا في الكتاب والسنّة ، فبقي مراعيا لميزان الشرع . لذا فهو يعتبر نفسه وارثا إرثا نبويّا لعلومه منهم ، فهو على قدم الأنبياء يأخذ مما أورثوه إياه إيمانا وتقليدا وفي ذلك يقول : " فإنه من يطلّع بعين الدليل عن رتبة هذا المسمّى بالنّبي والشارع عند اللّه ، فمن المحال أن يشهده ذوقا ولا يتبعه حالا ، هذا ما لا يتصوّر ، ولقد آمن برسول اللّه وما جاء به " مجملا وتفصيلا " مما وصل إلينا في تفصيله وما لم يصل إلينا في تفصيله ، وما لم يصل إلينا ، أو لم يثبت عندنا ، فنحن مؤمنون بكل ما جاء به من نفس الأمر ، أخذت ذلك عن أبويّ أخذ تقليد ، ولم يخطر لي ما حكم النظر العقلي فيه من جواز وإحالة ووجوب . فعملت على إيماني بذلك حتى علمت من أين آمنت ، ولماذا آمنت ، وكشف اللّه عن بصري وبصيرتي وخيالي ، فرأيت بعين البصر ما لا يدرك إلا به ، ورأيت بعين البصيرة ما لا يدرك إلا بها . فصار الأمر مشهودا والحكم المتخيل المتوهم بالتقليد موجودا ، فعلمت قدر من اتبعته ، وهو الرسول المبعوث إليّ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وشاهدت جميع الأنبياء كلهم من آدم إلى محمد عليه السلام . . . وشهدت ذلك كله فما زحزحني علم ما رأيته وعاينته عن إيماني . فلم أزل أقول وأعمل ما أقوله ، وأعمله لقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لا لعلمي ولا لعيني ولا لشهودي ، فواخيت بين الإيمان والعيان ، وهذا عزيز الوجود في الإتّباع " « 1 » لهذا ورد في الخبر أن " العلماء ورثة الأنبياء " « 2 » . وقد عرّف ابن عربي سمة الوارث الحقيقي بقوله : " فالوارث الكامل من الأولياء منا من انقطع إلى اللّه بشريعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى أن فتح اللّه له في قلبه في فهم ما أنزل اللّه عزّ وجلّ على نبيّه ورسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بتجل إلهي في باطنه ، فرزقه الفهم في كتابه عزّ وجلّ ، وجعله من المحدّثين في هذه الأمة ، فمقام له هذا مقام الملك الذي جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم ردّه اللّه إلى الخلق يرشدهم إلى صلاح قلوبهم مع اللّه " « 3 » . وفيه قوله : ذاك الرسول وكل وارث حكمه * من كل معصوم من الشيطان الفكر يعجز عن تحقق علمه * باللّه حين يجول في الأكوان
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 323 . ( 2 ) الحديث : " العلماء ورثة الأنبياء " سبق تخريجه . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 251 .