سهيلة عبد الباعث الترجمان
513
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
راجح ، وحضور وتمكّن قويّ في نفسه حتى لا تحكم عليه الأغراض النفسية . . . والحكماء هم المقسطون . وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً « 1 » وما وصفه اللّه بالكثرة فإن القلة لا تدخله . وسبب وصفه بالكثرة أن الحكمة سارية في الموجودات لأن الموجودات وضع اللّه ، ثم خلق الإنسان وحمّله الأمانة بأن جعل له النظر في الموجودات والتصرف فيها بالأمانة ليؤدي إلى كل ذي حق حقه ، كما أن اللّه أعطى كل شيء خلقه . . . والحكمة تناقض الجهل والظلم . . . فالتخلق بأخلاق اللّه هو التصوف . وقد بين العلماء التخلق بأسماء اللّه الحسنى وبيّنوا مواضعها وكيف تنسب إلى الخلق ولا تحصى كثرة " « 2 » والحيرة في هذا الأمر دلالة على سموّ هذا العلم وعلوّ شأنه وفي ذلك يقول : اللّه يعلم أني لست أعلمه * وكيف يعلم من بالعلم نجهله علمي به حيّرني فليس لنا * دليل حق على علم نحصله فليس إلا الذي جاء الرسول به * في الحالتين وبالإيمان نقبله فإن فكرت في القرآن تبصره * وقتا ينزهه ووقتا يمثله « 3 » ولما كان طريق الفكر والنظر غير مأمون ، كثير المخاطر ، فإن ابن عربي وجد أن الطريق لا تكون إلا عن طريق الوهب الإلهي والفتح الرباني حيث يتحقق الصوفي بالمعرفة الحقة ، وأهل التحقيق هم الحكماء لما يتحققوا به من صدق المعرفة يقول : " فما في الوجود شيء إلا الحكمة ، علمها من علمها ، وجهاها من جهلها ، فالوجود كله ما انتظم فيه شيء لشيء ، ولا انضاف منه شيء إلى شيء إلا لمناسبة بينهما ظاهرة أو باطنة ، إذا طلبها الحكيم المراقب وجدها كما حكي عن الإمام أبي حامد الغزالي رحمه اللّه وهو من رؤساء هذه الطريقة وساداتهم " « 4 » . وعليه يمكننا القول أنه لا ظهور للحكمة إلا بالحكيم لأصالته الذاتية وغنائه عن كل شيء . فالحكيم هو اللّه ، وهو من قامت
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 269 م . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص . ص 266 - 267 . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الثالث ، ص 412 . ( 4 ) ابن عربي ، مواقع النجوم ، ص 89 .