سهيلة عبد الباعث الترجمان

509

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

العقول تعقل لنفسها لما أنكرت توحيد موجدها في قوم وعلمته في قوم والحدّ والحقيقة فيهما على السواء « 1 » . لقد اتفق أهل النظر وأهل الكشف من حيث الأدلة العقلية القاطعة على أنه إله واحد ، لكن افترقوا من حيث الدليل ، فأهل اللّه جاءوا بأمور من المعرفة أحالتها الأدلة العقلية وجاءت بصحتها الألفاظ النّبوية والأخبار الإلهية ، على حين وقف أهل النظر حيث بلغت بهم أفكارهم مع تحققهم صدق الأخبار فقالوا : نعلم أن ثمّ طورا آخر وراء طور إدراك العقل الذي يستقل به وهو للأنبياء وكبار الأولياء ، به يقبلون هذه الأمور الواردة عليهم من الجناب الإلهي ، ويحصلونها بطريق الخلوات والأذكار المشروعة لصفاء القلوب وطهارتها من دنس الفكر إذ كان المفكر لا يفكر إلّا في المحدثات لا في ذات الحق ، وما ينبغي أن يكون عليه في نفسه الذي هو مسمى اللّه « 2 » ويقول شعرا : للعقل لبّ وللألباب أحلام * وللنّهى في وجود الكون أحكام وما لنا فيه من علم ومعرفة * إلا القصور وأقدام وإيهام العلم باللّه نفي العلم عنك به * فكلما نحن فيه فهو أوهام « 3 » ولذلك يقول ابن عربي في تصحيح أمر ذلك العقل على الشرع الذي فيه منجاة من كل تخبّط ناتج عن قصور العقل ، فإذا كان العقل ينافي المضاهاة فالشرع يثبت وينفي والإيمان بما جاء به الشرع هو السعادة ، لذلك يرى أنه " لا يتعدّى العقل ما شرّع اللّه له ، وقال : العاقل من هجر عقله واتبع شرعه بعقله من كونه مؤمنا ، وقال : أكمل العقول عقل ساوى إيمانه وهو عزيز ، لو تصرّف العقل ما كان عقلا ، فالتصريف للعلم لا للعقل " « 4 » ومن هنا جاء التحريم بالنظر الفكري في ذات الحق إذ لا يؤدي ذلك إلى الحقيقة كما يعرف كل ذي عقل سليم .

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 591 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 271 . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الرابع ، ص 411 . ( 4 ) المصدر السابق ، ص 411 .