سهيلة عبد الباعث الترجمان
510
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
فالناس إذن كما يرى ابن عربي متفاوتين في درجات تعقّلهم ، ولذلك فهم يتفاضلون في مدى تعقلهم للأمور ، وقد جعلهم أصنافا فمنهم من يدرك عقله غوامض الأسرار والمعاني ، ويحمل صورة الكلية والواحدية في إدراك المعاني الغامضة والعلوم العالية ، المتعلقة بالجناب الإلهي أو الروحاني أو الطبائع أو العلم الرياضي أو الميزان المنطقي ، وعقل شخص ينزل عن هذه الدرجة إلى ما هو أقل من الأولى ، وآخر ينزل عنها وآخر يعلو فوقها وهكذا ، فهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على مدى اتّساع الثقافة وتنوّع العلوم ، إذ يعتبر العلم شرطا ضروريا لإرضاء اللّه وتنفيذ أوامره على الوجه الأكمل ، واطّلاعه على المعارف العقلية والذوقية وتعرّضه لنفحات إلهية واقتداء بالرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » . ويعزو ابن عربي أمر ذلك إلى تحكيم العقل في الأمور الغيبية وقبولها لدى من حرموا الكشف والعلم الموهوب ، " وقد يتفق أن تسطع عليهم الأنوار الإلهية بعلوم لا مجال للريب فيها ، لكن سرعان ما يقفون عندما ألفوا من استخدام الأدلة العقلية . . . وهذا نقيض ما بني عليه الأمر عند أهل الطريق ، وهذا كشف خاص خصّ به أمثالنا . . . وإنما نحن ومن جرى مجرانا من أهل الطريق فلا نرمي بشيء مما يرد علينا في ذلك ، ولا ندفع به جملة واحدة . . . لا نرمي بشيء مما أعطانا اللّه ، فإن اللّه أعطانا من القوة وعلم السياسة بحيث نعلم كيف نأخذ وإذا أخذنا كيف نتصرف وفي أي محل نتصرف ، وهو طريقنا ، به وعليه عمل أكابرنا ، ويحتاج إلى علم وافر وعقل حاضر ومشاهدة دائمة وعين لا تقبل النّوم ولا تعرفه ، وتتحقق بذلك تحققا يسري معها حسا وفي حال نومها خيالا . . . " « 2 » . إذن فهذه العلوم التي يشير إليها على درجة كبيرة من الخفاء ، لا تعرفها سوى سرائر العارفين وأعماقهم لا نفوسهم ، فتكون بذلك أقرب إلى اللا شعور منها إلى الشعور « 3 » .
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 66 . ( انظر الكتاب التذكاري لابن عربي ، المعرفة عند محي الدين بن عربي ، محمد غلاب ، ( ص 194 ) . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 505 . ( 3 ) قاسم ( محمود ) ، الخيال في مذهب ابن عربي ، طبعة معهد البحوث والدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية ، القاهرة ، 1969 ، ص 89 .