سهيلة عبد الباعث الترجمان

508

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

تعالى إلا إلها غير معقول ولا يمكن قط في العلم تجريده بالكلية عن العالم المربوب ، فإذا لم يعقل مجردا عن العالم لم تعقل ذاته ولم تشهد من حيث هي ، فأشبه العلم به علم النفس " « 1 » . ويرسم ابن عربي الطريق إلى المعرفة الصحيحة الخالية من الشّبه الناتجة عن تقصير العقل لإدراك الحقيقة بذاته فيبين أن المعرفة عند القوم محجّة ، وكل علم لا يحصل إلا عن عمل وتقوى وسلوك ، فيكون معرفة حقيقية لأنه عن كشف محقق لا تدخله الشّبه بخلاف العلم الحاصل عن النظر الفكري فإنه لا يسلم من الشّبه التي تدخل عليه والحيرة فيه والقدح في الأمر الموصل إليه . فلا تصح المعرفة إلّا لمن يدركها بذاته وإلا فهو مقلّد لغيره ، وما في الوجود من علم الأشياء بذاته إلا واحد وهو اللّه ، وكل ما سواه فهو مقلّد له ، ولذلك يدعو إلى أن نقلّد اللّه ولا سيما في العلم به بما جاء في كتبه وعلى ألسنة رسله ، ومعرفته لا تحصل بما أعطى من قوى السمع والبصر وغيرها ، إنما تحصل بكثرة الطاعات حتى يتحقق بالقرب فيعرف الأمور كلها باللّه ويعرف اللّه باللّه ، ومعرفة اللّه باللّه تبعد كل جهل وشبهة وشك وريب . ولذلك يدعو ابن عربي إلى سلوك هذه الطريق فيقول : " وهذا الذي ذهبنا إليه ما يقدر أحد على إنكاره فإنه يجده في نفسه ، فاشتغل بامتثال ما أمرك اللّه به من العمل بطاعته ومراقبة قلبك فيما يخطر فيه والحياء من اللّه والوقوف عند حدوده والانفراد به . . . فقلّد ربّك إذن ولا بد من التقليد ولا تقلّد عقلك في تأويله فإن عقلك قد أجمع معك على التقليد ، حينئذ تكون عارفا تملك المعرفة المطلوبة والعلم الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فإن هذه الطريق التي نبهتك عليها طريقة غريبة " « 2 » فالعقل كما يراه إذن لا يعقل بنفسه لقصوره عن إدراك الحقيقة بذاته دون تقليد اللّه ، والعقول جميعها لا تعقل بنفسها إنما تعقل ما تعقله بما يلقي إليها ربّها خالقها ، ولهذا تتفاوت درجاتها ، فمن عقل مجعول عليه قفل ، ومن عقل محبوس في كن ، ومن عقل طلع على مرآته صدأ ، فلو كانت

--> ( 1 ) الشعراني ( عبد الوهاب ) ، اليواقيت والجواهر ، الجزء الأول ، ص 51 . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص . ص 297 - 298 .