سهيلة عبد الباعث الترجمان
507
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
فالعلم باللّه لا يأتي إذن عن طريق الفكر المحض ولا بدليل فكر أو نظر إذ لا سبيل إلى ذلك لأن العقل قاصر عن الإحاطة به ولا يدركه فيقول " لا سبيل إلى العلم باللّه بدليل نظري ، ولا يوصل إلى العلم باللّه إلّا بتعريف اللّه ، فالعلم باللّه تقليد وقال : الكشف أعظم في الحيرة من برهان العقل عليه بخلاف التعريف . وقال : هو النور فله إحراق ما سواه فلا يكشف أي لا يدرك بالكشف . . . وقال بالعقل يعلم ولا يرى ، وبالكشف يرى ولا يعلم ، وهل ثمّ حالة أو مقام يجمع بين الرؤية والعلم " « 1 » وقد يقع العبد من جرّاء ذلك في حيرة من أمره إذ يتعذّر عليه معرفة اللّه ، فإن قيل فما سبب وقوع الحيرة في اللّه تعالى يقول : هو بسبب تقلّبه بين معرفة الدليل بالعقل والمشاهدة . فالخلق يطلب معرفة الحق بطريق الأدلة العقلية ، فيقف عاجزا عن تحقيق ذلك . يقول : الحق عين وجود الكون فاعتبروا * العين تشهده والوهم يحصره والعقل ينفي بحكم الفكر صورته * والفكر يستره والكشف يظهره والعقل بينهما حارت خواطره * هذا ينزهه وذا يصوره . . . إذا رأى العقل ما قلناه فيه رأى * أمرا عظيما ونورا فيه يبهره « 2 » ويعزو ابن عربي سبب الحيرة في ذلك هو اختيار الطريق المؤدي إلى تلك المعرفة الحقيقية فيقول : " إن سبب الحيرة في علمنا باللّه طلبنا معرفة ذاته جل وتعالى بأحد الطريقين : إما بطريق الأدلة العقلية ، وإما بطريق تسمّى المشاهدة ، فالدليل العقلي يمنع من المشاهدة ، والدليل السمعي قد أومأ إليها وما صرّح ، والدليل العقلي قد منع من إدراك حقيقة ذاته عن طريق الصفة الثبوتية النفسية التي هو سبحانه في نفسه عليها ، وما أدرك العقل بنظره إلّا صفات السلوب لا غير وسمى هذه معرفة . . . وأكثر علماء الرسوم عدموا ذلك ذوقا وشربا ، فأنكروا على اللّه تعالى ما أطلقه على نفسه . . . وأكثر العامة تابعون للفقهاء في هذا الإنكار تقليدا لهم . . . " « 3 » . إذن فإذا قلنا أنه كلما زادت حيرة العبد زاد علما باللّه تعالى لكون العقل عجز عن ضبط ما يدركه فيقول : " لا يعقل الحق
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الرابع ، ص 411 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الرابع ، ص 119 . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 271 .