سهيلة عبد الباعث الترجمان

501

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

بالتسليم لأهلها من غير ذوق ، فهي ترد من باب الكشف ، فيتبين لنا والحالة هذه أن الكشف منهج يقيني من مناهج المعرفة ، يقابله الفكر لدى أهل الظاهر ، وإن الذوق هو الضمان الوحيد لمعرفة قيمة العلوم اللدنّية « 1 » . لذا فمما يراه في هذا المجال أن " هذا الفن في الكشف والعلم يجب ستره عن أكثر الخلق لما فيه من العلوّ ، فغوره بعيد ، والتّلف فيه قريب ، فإنّ من لا معرفة له بالحقائق ولا بامتداد الرقائق ويقف على هذا المشهد من لسان صاحبه المتحقق به وهو لم يذقه ربما قال أنا من أهوى ومن أهو أنا فلهذا نستره ونكتمه " « 2 » . لذلك اختص به طائفة من أهل الطريق منحهم الكشف عن قلوبهم ليروا عظمة اللّه وجلاله ويوفّون اللّه حقه بالعبادة والتبجيل والتقديس فقال فيهم : " للّه رجال كشف لهم عن قلوبهم فلاحظوا جلاله المطلق فأعطاهم بذاته ما تستحقه من الآداب والإجلال ، فهم القائمون بحق اللّه لا بأمره ، وهو مقام جليل لا يناله إلّا الأفراد من الرجال . . . فهؤلاء خصائص اللّه قاموا بعبادة اللّه على حق اللّه ، وهم الخارجون عن الأمر كالملائكة المسخّرة الذين يخافون ربهم . . . " « 3 » وهؤلاء يقول فيهم النابلسي " إن هذه الطائفة من أهل اللّه العارفين بربهم لم يخترعوا هذا العلم الإلهي والسرّ الرباني ، وإنما أنطقهم اللّه تعالى به لما صفت روحانياتهم من شوائب الأكدار ، وتخلّصوا من قيود العقل والأفكار ، فتولاهم اللّه بعنايته واستولى على قلوبهم بولايته لقوله تعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ « 4 » يعني من ظلمات الأشياء كلها الفانية الهالكة إلى النور أي الوجود الحق " « 5 » . ومن هنا تكون المشاهدة بعد المكاشفة حيث يشهد القلب بنور الهداية

--> ( 1 ) التفتازاني ( أبو الوفا ) ، دراسات في الفلسفة الإسلامية ، الطبعة الأولى ، القاهرة ، 1957 ، ص 150 . ( 2 ) ابن عربي ، كتاب الفناء في المشاهدة ، ص . ص 2 - 3 ، ( ربما كان ذلك إشارة إلى قول الحلاج وهو في حالة كشف ، وهو ما عرف بالشطحات لديه والذي قال فيه : أنا من أهوى ومن أهوى أنا * نحن روحان حللنا بدنا وهو حال من فرط العشق ) . ( 3 ) ابن عربي ، كتاب التجليات ، ( الرسائل ) ، ص 29 . ( 4 ) سورة البقرة ، الآية : 257 م . ( 5 ) النابلسي ( عبد الغني ) ، كتاب الوجود ، ص 275 .