سهيلة عبد الباعث الترجمان

502

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

ما غاب عن بصره . لذلك يوضح لنا ابن عربي ما يندرج فيه الصوفي المتحقق من درجات المكاشفة والمشاهدة فيبين بأن كل متكلم في هذا الطريق إنما يتكلم من مقام المكاشفة بعد النزول من مقام المشاهدة ، وقد قال في التدبيرات الإلهية : " أهل الطريق رضي اللّه عنهم صور المعقولات في غيابات قلوبهم ، فيوقد لهم جلّ وتعالى سرج الهداية فيهتدوا بها في ظلمات غيوب التوحيد ، فيشاهدون الانفعالات الإلهية وأسرار القدر كيف تحكم في الخلائق " « 1 » . هكذا يحدد ابن عربي منهجه وطريقه الصوفي في البحث فينفي عن نفسه العلم باللّه بأي صورة أخرى ، لا عن طريق الفكر والنظر ولا بدليل البرهان والخبر ، بل يؤكد مغايرة علومه لعلوم الفلسفة إذ أن العلم الإلهي لا يكتسب بل هو من الفيض الإلهي الذي يقذف في القلب ، فهو موطن المعرفة ، ولذا قال : " إعلم أن علومنا وعلوم أصحابنا ليست من طريق الفكر وإنما هي من الفيض الإلهي . . . " . وقال : " جميع علومنا من علوم الذوق لا من العلم بلا ذوق ، فإن علوم الذوق لا تكون إلّا عن تجل إلهي قد يحصل لنا بنقل المخبر الصادق وبالنظر الصحيح . . . " « 2 » . ولما كان الكشف وسيلة المعرفة الذوقية وأداتها ، فإن مركزها القلب الذي يتلقّى العلوم وتفيض فيه المعارف الربانية والأسرار الإلهية ، وذلك قوله : " فإن الحق تعالى الذي نأخذ العلوم منه بخلوّ القلب عن الفكر والاستعداد لقبول الواردات الإلهية هو الذي يعطينا الأمر على أصله من غير إجمال ولا حيرة فنعرف الحقائق على ما هي عليه سواء أكانت الحقائق المفردات أو الحقائق الحادثة بحدوث التأليف ، أو الحقائق الإلهية لا نمتري في شيء منها ، فمن هناك هو علمنا ، والحق تعالى معلمنا إرثا نبويا محفوظا معصوما من الخلل والإجمال والمظاهر " « 3 » . لذلك فلا سبيل إلى هذه المعارف سوى القلب الذي يدعو إلى الاعتماد عليه فيقول : " موجب على كل مؤمن عاقل التوجه إليه سبحانه وتعالى بقلبه الذي هو أشرف ما فيه لأنه الينبوع لما يشتمل عليه نسخة وجوده

--> ( 1 ) ابن عربي ، كتاب مشاهد الأسرار القدسية ، ورقة 7 ، ص أ . ( 2 ) الشعراني ( عبد الوهاب ) ، مصدر سابق ، الجزء الأول ، ص 25 . ( 3 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 70 .