سهيلة عبد الباعث الترجمان
499
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
إن قولهم أول مبادئ التجلي إعلام بأن لكل تجل مبدأ هو ذوق لذلك التجلي ، وهذا لا يكون إلّا إذا كان التجلي الإلهي في الصور أو في الأسماء الإلهية والكونية ، ليس غير ذلك " « 1 » . فالذوق إذن مختلف بحسب التجليات فلا يكون ذوقا واحدا بل هو متنوع ، يقول : " إعلم أنّ الذوق يختلف باختلاف التجلّي ، فإن كان التجلّي في الصور فالذوق خيالي ، وإن كان في الأسماء الإلهية والكونية ، فالذوق عقلي . فالذوق الخيالي أثره في النفس ، والذوق العقلي أثره في القلب ، فيعطي حكم أثر ذوق النفس المجاهدات البدنية من الجوع والعطش وقيام الليل وذكر اللسان بالتلاوة والأمر بالمعروف . . . " « 2 » . ويعرفنا ابن عربي بالكشف ودوره في إزاحة الحجاب المنصوب ضد الرؤية الصادقة فيقول : " الكشف هو الخروج عن الحجاب على الوجه الذي يدرك صاحب الكشف شيئا لم يدركه قبله ، والحجاب عبارة عن الموانع التي كان العبد بسببها محجوبا عن حضرة اللّه تعالى وذلك جملة العوالم المختلفة من الدنيا والآخرة كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : " إن للّه سبعين ألف حجابا من نور وظلمة " « 3 » . ويحصى ابن عربي أنواع الكشف فيجعلها على خمسة أضرب : عقلي ، وقلبي ، وسرّي ، وروحي ، وخفي ، فالكشف العقلي ينكشف معه معاني المعقولات ولا تظهر أسرار الممكنات وسمي كشفا نظريا . أما العقلي فهو أن السالك إذا اشتغل بالمجاهدات والرياضات يرتفع عنه بحسب المجاهدات حجابات . . . وأما القلب : أن تنكشف فيه أنوار مختلفة كما شرح في المشاهدة ويسمى كشفا شهوديا ، أما السري فهو كشف أسرار المخلوقات وحكمة خلق الموجودات ويسمى إلهاميا . أما الروحي فهو يكشف عرض الجنات والجحيم والمعارج ورؤية الملائكة ، وإذا صفا بالكلية وطهر من كدوراته النفسانية تظهر عوالم غير المتناهي فيرتفع حجاب الزمان ،
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 548 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 505 . ( 3 ) ابن عربي ، تحفة السفرة إلى حضرة البررة ، ص 83 . الحديث : أورده الغزالي في الأحياء 1 / 101 بلفظ " إن للّه سبعين ألف حجابا من نور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره " وقال الحافظ العراقي : أخرجه أبو الشيخ في كتاب العظمة من حديث أبي هريرة ، وعدّ له شواهد عند مسلم والطبراني في الكبير ، وله شواهد بألفاظ مختلفة . ( انظر مجمع الزوائد 1 / 799 ) .