سهيلة عبد الباعث الترجمان
495
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
الوجود والتحقيق رجاء أن تبرز في صور ذلك الغريق . قال السالك : فلقيت بالجدول المعين وينبوع أرين ، فتى روحاني الذات ، رباني الصفات يوميء إليّ بالالتفات . فقلت ما وراءك يا عصام ، قال : وجود ليس له انصرام ، قلت : من أين وضح الراكب ، قال : من عند رأس الحاجب ، قلت ما الذي دعاك إلى الخروج ، قال الذي دعاك إلى طلب الولوج . . . " « 1 » . والحقيقة كما يراها ابن عربي - لا تحقق لها إلا بعد تحصيل الطريقة ، لأن العبد لا يتحقق إلا بمجاهدة النفس ورياضتها ، فيصل إلى ثمرة المجاهدة ، فيجمع في ذاته بين الحقيقة والشريعة والطريقة . ويشير ابن عربي إلى حواره مع المتصوفين عند سفره إلى مصر فيقول : " فأول ما وصلت إلى هذه البلاد ، سألت عن أهل هذه الطريقة المثلى ، عسى أن أجد منهم نفحة الرفيق الأعلى ، فحملت إلى جماعة منهم جمعتهم خانقاه عالية البناء واسعة الفناء ، فنظرت إلى مغزاهم المطلوب ومنحاهم المرغوب تنظيف مرقعاتهم . . . غير أنهم يدّعون أن أهل المغرب أهل حقيقة لا طريقة ، وهم أهل طريقة لا حقيقة ، وكفى بهذا الكلام فسادا ، إذ لا وصول إلى حقيقة إلا بعد تحصيل الطريقة ، وقد قال الإمام المقدّم والصدر المبرّز أبو سليمان الداراني « * » رحمة اللّه عليه ، وإنما حرموا الوصول إلى الحقيقة بتضييعهم الأصول وهي الطريقة ، وقد شهدوا على أنفسهم بفراغهم من الحقيقة ، فهي شهادتهم بعينها أنهم على غير الطريقة . وهاتان جهالتان منهم وهم لا يشعرون . ويصف ابن عربي هؤلاء ناقدين الحقيقة الذين أضاعوها وهم الصوفية بالاسم دون التحقق بالفعل فيقول : " فالزمان يا وليّ اليوم شديد ، شيطانه مريد ، جباره عنيد ، علماء سوء يطلبون ما يأكلون ، وأمراء جور يحكمون بما
--> ( 1 ) ابن عربي ، كتاب الإسراء إلى مقام الأسرى ، حيدر أباد الدكن ( الهند ) ، ط أولى ، باب سفر القلب ، ص 3 . ( * ) عبد الرحمن بن أحمد بن عطية العنسي المذحجي - أبو سليمان - زاهد مشهور من أهل داريا بغوطة دمشق ، رحل إلى بغداد وأقام بهامدة ثم عاد إلى دمشق ، توفي في بلده ، هو من كبار المتصوفين ، له أخبار في الزهد ، من كلامه : خير السخاء ما وافق الحاجة ، مولده ( 215 ه / 830 م ) ، ( السلمي ، طبقات الصوفية ، ص 75 - 82 ، ابن خلكان ، وفيات الأعيان ، ج 1 ، ص 276 . أبو نعيم الأصفهاني ، حلية الأولياء ، ج 9 ، ص 254 ) .