سهيلة عبد الباعث الترجمان

496

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

لا يعلمون ، وصوفية صوف بأغراض الدنيا مشحون ، عظمت الدنيا في قلوبهم فلا يرون فوقها مطلبا ، وصغر الحق في أنفسهم فأعجلوا عنه هربا ، حافظوا على السجادات والمرقعات . . . لا علم عن الحرام يردهم ، ولا زهد عن الرغبة في الدنيا يصدهم . . لازموا الخوانق والرباطات رغبة فيما يأتي إليها من حلال أو حرام . وسّعوا أردانهم وسمّنوا أبدانهم . . . " « 1 » . فهذه الصورة لمدّعي التصوف تحدد موقفه الصريح كل الصراحة بالتزامه الحقيقة والطريقة وبعده عن فساد العقيدة بالتزام الشريعة ، حيث قام تصوفه على صدق عقيدته والتزامه بها ، وقد حدد مراتب اليقين لكل مذهب ومدى تحققه به ، وذلك بالتزام الحقيقة والطريقة والدقيقة فيقول : " لليقين مراتب في جميع المذاهب ، فمن أقيم في علمه كان تحت سلطان حكمه ، ومن أقيم في عينه أتى عليه من بينه ، ومن أقيم في حقه فقد تميز في خلقه ، ولكل حق حقيقة أعطته الطريقة ، فحقيقة الحق الشهود ، فالحق هو الإيمان في الوجود ، فما كان غيبا صار عينا . . . والحق حق فلا بد له من حقيقة ، والخلق حق فلا بد له من دقيقة ، فحقيقة الحق أنت ، ودقيقة حق الخلق من عنه بنت ، فالعالم بين تنزيه وتشبيه ، والحق بين تشبيه وتنزيه ، والبراءة في سورة براءة . . . " « 2 » . وأبلغ مثال يسوقه ابن عربي في تكميل المعراج الروحي هو ما جاء في قوله عن كيمياء السعادة في فتوحاته ، إذ يتصور المعراج رمزا للحياة ، تحيا النفس في هذا العالم الذي وضعها اللّه فيه كي تحصل كمالاتها لتصل في النهاية إلى مقصدها الأسنى ، وهو شهود الحق . فكيمياء السعادة هي عملية تحويل عناصر النفوس الإنسانية إلى الإكسير الروحي الخالص ، ولكي يتم للنفوس ذلك ، فلا بد لها من معرفة الأصل وهو اللّه ، ولهذا يتخيل ابن عربي في معراجه الروحي رجلين أحدهما تابع للرسول وبه مقتد ، والآخر فيلسوف صاحب نظر ، وهما في طريقهما إلى اللّه ، وبالمقارنة بينهما يظهر تحصيلهما للمعرفة ، فينتهيان نهاية مفارقة ، إذ يظهر قصور صاحب النظر عن تحصيل الحقيقة لما للتابع من العلم الكشفي والذوق والإلهام ، فهو وارث لمعرفة

--> ( 1 ) ابن عربي ، رسالة روح القدس ، ص 34 . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الرابع ، ص 385 .