سهيلة عبد الباعث الترجمان
491
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
كذلك العالم الذي هو تجلّي الحق فإنه يتضمن الحقائق التي تنطبق على الحق من حيث غيبه وشهادته ، وظاهره وباطنه لأنه صورة الحق وتجلياته فيقول " إن اللّه تعالى لما خلق العالم جعل له ظاهرا وباطنا ، وجعل فيه غيبا وشهادة لنفس العالم ، فما غاب عن العالم من العالم فهو الغيب ، وما شاهد العالم من العالم فهو الشهادة ، وكله للّه شهادة وظاهرا ، فجعل تعالى القلب من عالم الغيب ، وجعل الوجه من عالم الشهادة وعيّن للوجه جهة يسجد لها سمّاها بيته وقبلته أي يستقبلها بوجهه إذا صلى " « 1 » . أما النفس الإنسانية فهي ككل شيء جعل لها ظاهرا وباطنا ، فهي تدرك بالظاهر أمورا تسمى عينا ، وتدرك بالباطن أمورا تسمى علما ، والحق سبحانه هو الظاهر والباطن ، فيه وقع الإدراك إذ لا قدرة لشيء مما سوى اللّه أن يدرك شيئا بنفسه ، إنما دركه لشيء بما جعل اللّه فيه ، والتجلي من الحق لأي عالم إنما هو من الاسم الظاهر إذ لا تجلى للإسم الباطن ، إذ أن حقيقة هذه النسبة أن لا يقع فيها تجل أبدا ، وما ظهور المجالي المتعددة سوى من تجلي الاسم الظاهر فقط ، إذ لها معقولية النّسب لا تتبدل ، وما تجلّيه إلا منّة أو إجابة لسؤال من ظاهر النفس « 2 » . وجملة القول أن العلم هبة من اللّه ، والعالم عنده من علم علم الظاهر والباطن وجمع بينهما ، وعمل بهما ، إذ أن حقيقة العلم تمنع صاحبها أن يقوم في أحواله بما يخالف عمله ، فكل من ادّعى علما وعمل بخلافه بما أوجبه عليه العقل والشرع أن يعمله فليس بعالم ، ولا ظاهر بصورة عالم ، وفي هذا دعوى لعدم مغالطة النفس كي لا يعود وبال الأمر عليه ، وهكذا فمسمّى العلم كما يراه ينطلق على ما هو علم ، وما ليس بعلم فإن اللّه تعالى يقول فيه : فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ « 3 » وكل ما حصّل عن دليل فكري ليس بعلم حقيقي ، وإن كان في نفس الأمر علما « 4 » . فيجب على العبد والحالة هذه الحضور دوما
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 398 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 216 . ( 3 ) سورة النجم ، الآية : 29 ك . ( 4 ) المصدر السابق ، الجزء الثالث ، ص 320 .