سهيلة عبد الباعث الترجمان

488

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

ثم العقليون ( أمثال الزمخشري في الكشاف ) يقولون أن القرآن نص لا يفسره إلا العقل ، ولكن العقل كثيرا ما يخدع فيقف بصاحبه عند ظواهر الأمور إذا ما أصيب بالوهن والضعف ولا يتعداها إلى الحقيقة لأنه مخلوق وله قدرة معينة فلا يأخذ بحقائق الأمور بل كثيرا ما ينكر كرامات الأولياء وعلوم الإلهيات . أما الذوقيون أمثال ابن عربي وغيره من الصوفية ، فهم يقولون بالنص أولا ، ثم يلهمهم اللّه فيعطيهم خواطر إيمانية يضيفونها إلى هذا النص فيجمعون بذلك بين المعنى الظاهر والباطن للنص كقوله تعالى لموسى : " اخلع نعليك " فمعناها بالنّص الظاهر واضح وصريح . ويعني بالباطن النفس وما تحمله من النّعال أي كالحسد والحقد والتعالي والضغينة والعداء وغيرها ، وهذه أمور يدركها الصوفي ذوقيا نتيجة تحققه بالكمال الروحي والشريعة كما يراها ابن عربي في جوهرها من جملة الحقائق ، فهي حقيقة لكن تسمّى شريعة ، والحقائق أمثال وأشباه ، فالشرع ينفي ويثبت فيقول : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فنفى وأثبت معا . كما يقول : وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ « 1 » وهذا هو قول الحقيقة بعينه . فالشريعة هي الحقيقة ، فالحقيقة وإن أعطت أحدية الألوهية ، فإنها أعطت النّسب فيها فما أثبتت إلّا أحدية الكثرة النسبية لا أحدية الواحد ، فإن أحدية الواحد ظاهرة بنفسها ، وأحدية الكثرة عزيزة المنال لا يدركها كل ذي نظر . فالحقيقة التي هي أحدية الكثرة لا يعثر عليها كل أحد . . . ورأوا أن الحقيقة لا يعلمها إلّا الخصوص ففرقوا بين الشريعة والحقيقة ، فجعلوا الشريعة لما ظهر من أحكام الحقيقة ، وجعلوا الحقيقة لما بطن من أحكامها ، ولما كان الشارع الذي هو الحق قد تسمى بالظاهر والباطن ، وهذان الاسمان له حقيقة فالحقيقة ظهور صفة حق خلف حجاب صفة عبد ، فإذا ارتفع حجاب الجهل عن عين البصيرة رأى أن صفة العبد هي عين صفة الحق عندهم ، وعندنا أن صفة العبد هي عين الحق لا صفة الحق ، فالظاهر خلق والباطن حق ، والباطن منشأ الظاهر ، فإن الجوارح تابعة منقادة لما تريد بها النفس ، والنفس باطنة العين ظاهرة الحكم ، والجارحة ظاهرة الحكم لا باطن لها لأنه لا حكم لها . . . " « 2 » ولكن هل الشريعة واحدة أم متعددة ؟ .

--> ( 1 ) سورة الشورى ، الآية : 11 ك . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 563 .