سهيلة عبد الباعث الترجمان
484
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
علم يلزم به للعالم تبيينه ، وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم " خاطبوا الناس على قدر عقولهم " « 1 » فينبغي على من وقع في يده كتاب اللّه في علم لا يعرفه ولا سلك طريقه لا يبدي فيه ولا يعيد ويرده إلى أهله . . . رب حامل فقه ليس بفقيه بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه فقد ورد فيهم الذمّ حيث تكلموا فيما لم يسلكوا طريقه ، وإنما سقنا هذا كله لأن كتب أهل طريقتنا مشحون بهذه الأسرار ويتسلطون عليها أهل الأفكار بأفكارهم ، وأهل الظاهر بأول احتمالات الكلام فيقعون فيهم ، ولو سئلوا عن مجرد اصطلاح القوم الذي تواطؤا عليه في عباراتهم ما عرفوه ، فكيف ينبغي لهم أن يتكلموا فيما لم يحكموا أصله ، وربما قالوا إذا عاينوهم يتكلمون بمواجيدهم مع أصحابهم : دين مكتوم ، دين مشوم ، وما عرفوا جهات الدين ، وهؤلاء ما تكتموا بالدين فقط ، إنما تكتموا بنتائجه وما وهبهم الحق تعالى في طاعته حين طاعوه ، وبما صحّ عندهم من أحاديث الأحكام ما اتفق على ضعفه وتجريح نقلته ، وهم أخذوه من الكشف عن قائله صحيحا فتعبد به أنفسهم على غير ما تقرر عند علماء الرسوم ، فينسبونهم إلى الخروج عن الدين ، وما أنصفوا ، فإنّ للحق وجوها يوصل إليه منها هذا أحدها ، وربّ حديث قد صحّحوه واتفقوا عليه وليس بصحيح عندهم من طريق الكشف ، ويتركون العمل به مثل ذلك سواء . فما أحسن من سلّم واستسلم ، واشتغل بنفسه حتى يفارق موطنه ، فذلك السعيد الفائز بحقائق الوجود ، فالساترون لهذه الأسرار في ألفاظ اصطلحوا عليها غيرة من الأجانب والقائلون بوجود الآثار بالهمم . . . " « 2 » . وإذا كان ابن عربي قد دافع عن الصوفية في تمسكهم بالشريعة ، فإنه يدفع عنهم أيضا تهمة رمي ميزان الشريعة من يدهم فيرى أن كل فاهم للتصوف ولأقوال الصوفية على غير كلمة الإمام الغزالي في " المقصد الأسنى " فهو أحد اثنين : إما مخدوع وإما متحكم . وكل كلام لأهل صوفة غاير في ظاهره الشريعة فإما مؤوّل وإما مدسوس عليهم من الزنادقة ، وإما من صاحب حال في حال سكر « * » لم تسعفه الألفاظ ،
--> ( 1 ) الحديث : سبق تخريجه . ( 2 ) ابن عربي ، الفناء في المشاهدة ، مجموع الرسائل ، ج 1 ، ص 4 . ( * ) السكر : وهو ما يعبّر عنه بغلب الحال والمغلوب في حالة غياب عن نفسه .