سهيلة عبد الباعث الترجمان

485

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

ولسان العلم قاصر أيضا كلسان التعبير ، لأنهم يتكلمون عمن قال عن نفسه : سبحانه لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً وقال عنه سيد البشر وأعلمهم به صلّى اللّه عليه وسلّم : " سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " « 1 » ، فكم من سامع لهم في حالة سكرهم فوقع منهم ، وكم من معتقد لهم أخذ كلامهم في سكرهم المؤوّل حقيقة ، فضلّ وأهلك نفسه الهلاك الأبدي ، إذ ألقى من يده ميزان الشريعة لقول غير معصوم ، فقال مقاله ولم يكن في حال كحاله . . . ولا نطيل ، فاتك كلمة إمامنا الغزالي التي أحال فيها على كلمته السابقة في " المقصد الأسنى " وتنبه لقوله ، ولا يحاول معبّر أن يعبّر عنها إلّا اشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكنه الاحتراز عنه ، قال الإمام الغزالي في ( المنقذ من الضلال ) « 2 » في فصل " القول في طريقة الصوفيّة " وعلمت أن طريقتهم إنما تتم بعلم وعمل ، وكان حاصل علمهم قطع عقبات النفس والتنزه عن أخلاقهم المذمومة وصفاتها الخبيثة حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب عن غير اللّه تعالى وتحليته بذكر اللّه « 3 » . وإذا كان هذا هو حال الشريعة ، فما المقصود بالحقيقة عند الصوفية بصفة عامة ، وعند ابن عربي بصفة خاصة ؟ الحقيقة في عرف الصوفية هي المعنى الباطني المستتر وراء الشريعة ، ويحدد ابن عربي معناها بأنها ما هو عليه الوجود بما فيه من الخلاف والتماثل والتقابل ، بل أكثر من ذلك يرى أن عين الشريعة هي عين الحقيقة ، وعليه ، فإن الشريعة هي الرسوم والأوضاع التي تعبر عن ظاهر الأحكام التي تجري على الجوارح ، وقد أشار إلى ذلك منبها لمن يرى مغايرة واختلافا في هذا المعنى بقوله : " بل الشريعة عين الحقيقة وأن الشريعة جسم وروح . فجسمها الأحكام وروحها الحقيقة ، فما ثمّ إلّا شرع " . " الشريعة

--> ( 1 ) الحديث : رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة رضي اللّه عنها كما ذكره أحمد في مسنده رقم 911 ، ( كشف الخفاء ، الجزء الأول ، ص 690 ، الفيض القدير ، الجزء الثاني ، ص 139 ) . ( 2 ) الغزالي ، المنقذ من الضلال ، تحقيق عبد الحليم محمود ، ط السابعة ، دار الكتب الحديثة ، 1392 ه / 1972 م ، ص 233 . ( 3 ) ابن عربي ، كتاب ردّ المتشابه ، إلى المحكم من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ، مراجعة عبد الرحمن حسن محمود ، عالم الفكر ، مصر ، ص 43 .