سهيلة عبد الباعث الترجمان

461

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

ما هو عليه حال وجودها الآن ، وأعيانها الثابتة في علمه تعالى ، وكل أمر يعود إليه لما علمه من شأنها في حال اللذة والألم ، والخير والشر ، وما لها من ثواب وعقاب « 1 » ، وهذه صورة من صور مذهبه في وحدة الوجود . وهو وإن لم يشر صراحة إلى وحدة الأديان باعتبار أن الدين عنده واحد مصدره الحق . إلا أننا نعود فنتساءل : هل يقول ابن عربي بوحدة الأديان استنادا إلى المعنى الباطن ، أو السرّ الكامن وراء الدين بصوره ومظاهره المتعددة كما أشار إليه ؟ . إن الدين كما يراه ابن عربي حقيقة واحدة مهما تنوعت صوره ، فالأديان المتعددة والعقائد المختلفة المتباينة ليست جميعها هكذا إلا من حيث الظاهر فقط ، أما من حيث الحقيقة والجوهر فلا تباين ولا اختلاف ، وأن كل الملل والنحل ليست في حقيقة أمرها إلّا وسائل يتوسّل بها للوصول إلى غاية واحدة هي عبادة " إله واحد " هو الحظ المشترك بينها جميعا « 2 » . وعليه يمكن القول أن نظرة ابن عربي إلى الدين هي نظرة واحدية وإن ظهر في صور متعددة إنما جوهره لا يتكرر أصلا فهو على حاله في حقيقته ، كذلك لا تنقصه الخبرة في هذا المضمار بأن ينظر بعين الجمع إلى الأديان المختلفة جميعها فلا يفرّق بين دين وآخر ، وإلى الكتب السماوية المتباينة فلا يؤثر كتاب على كتاب آخر ، كذلك حاله مع الطرق المتعددة فإنها تتساوى عنده فلا ينحاز إلى فرقة دون أخرى ، إذ الأديان جميعها من عند اللّه ، والمقصود بها على الحقيقة هو اللّه وحده ، وكل دين فرض على أهله فاعتقدوه ليس اختيارا منهم إنما ذلك باقتضاء الإرادة الإلهية باعتناقه دون غيره من الأديان ، ولا يتم ذلك إلّا بالمحبة حيث يتوجه العابد بكليته نحو معبوده ، فلا ينظر إلى ظاهر الأديان بل إلى حقيقتها الجوهرية فيراها وحدة متكاملة ، تنطوي على كثير من المعاني والمبادئ الخلقيّة والاجتماعية ، فيحللها إلى عناصرها لمعرفة مدى ملاءمتها لما ورد في الكتاب المبين أو منافاتها له . لقد رّد نيكلسون نظرة الصوفية في وحدة الأديان إلى الحب واعتبره أساس الأديان جميعها ، وهو في ذلك يستند إلى قول

--> ( 1 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 95 . ( 2 ) التفتازاني ( أبو الوفا ) ، مرجع سابق ، ص 271 .