سهيلة عبد الباعث الترجمان

462

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

ابن عربي في تقبّله لكل دين وكل عقيدة لأن القلب هو موطن العبادة . وذلك في قوله : " عقد الخلائق في الإله عقائدا . . . " فإنه بمقدار حب العبد لربه يكون علمه بأسرار القدر لأن الحب كما وصفه " هونفليد " « * » هو أسطرلاب أسرار السماء ، وهو الكحل الذي يكحل به عين القلب فينجلي بصرها « 1 » . واستنادا إلى ما ظهر في مذهبه من وحدة الحقيقة الوجودية بمظهريها الحقي والخلقي ، فإن ذلك أدّى بالضرورة إلى نظرته إلى الأديان على أنها واحدة لا فرق في ذلك بين سماويّها وغير سماويّها لأنها تهدف جميعها إلى عبادة الإله الواحد ، المتجلّي في صور عابديه وصور جميع المعبودات ، ولطالما كانت الغاية من عبادة العبد لربه هو التحقق من وحدته الذاتية معه ، وإنما الباطل كما يراه هو أن يقصر العبد عبادة ربه على مجلى واحد بعينه دون غيره ويسميه إلها ، ورائده في كل ذلك هو النور الباطني الذي أفاضه اللّه عليه . فابن عربي هنا متسق مع منطق مذهبه في وحدة الوجود ، فكما أن كل أمر له وجهان يرتبطان بحقيقة واحدة على أساس الحق والخلق ، والظاهر والباطن ، لذلك رأى صحة الإيمان بكل المعتقدات ، لأن صاحب المعتقد الخاص جاهل لاعتراضه على ما يعتقده غيره . أما الإله المطلق فهو الذي لا يسعه شيء لأنه عين الأشياء ، ولهذا قال باعتقاده بجميع الأديان التي اعتقد بها الخلائق على اختلاف أجناسهم وألوانهم وهي ممثلة في قوله : " عقد الخلائق في الإله عقائدا . . . " « 2 » فالعقيدة والحالة كذلك تمثل جانبا هاما من مذهبه في وحدة الأديان إذا شئنا القول بها ، إذ أن العقيدة ضرورية لا بد منها ، يرجع إليها كل عابد في توجهه إلى خالقه ، يعبده من خلالها في أي صورة شاء ، وعلى أي وجه أراد فإليه يعود الأمر ، وكل وجه حقيقته ،

--> ( * ) مترجم كتاب المثنوي لجلال الدين الرومي ، كتب فيه نيكلسون أنه صاحب فضل عليه ( لأنه قرر ما كان لكتابته من أثر في تشجيع دراسة التصوف وهو متفق معه على أصل التصوف وشأنه ) . ( انظر نيكلسون في التصوف الإسلامي ، ترجمة أبو العلا عفيفي ، المقدمة ، ص 8 ) . ( 1 ) هو نفيلد : " مثنوي معنوي " لندن 1898 ، المقدسة ، ص 28 ، ( وانظر نيكلسون في التصوف الإسلامي ، ص 94 ) . ( 2 ) محمود ( عبد القادر ) ، مرجع سابق ، ص 516 .