سهيلة عبد الباعث الترجمان
458
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
وفي هذا دلالة واضحة أنه لم يتنكر لحقيقة الدين في جوهره ، فكان اعتقاده في الأصل والجوهر لا بالشكل والمظهر ، وهذا ما جعل ابن عربي يظهر بمظهر الغلوّ في الاعتقاد بالأديان ، مما أدّى إلى وصفه بالقول بوحدة الأديان مع ما فيها من تباين واختلاف بين صحيح وفاسد ، وحقيقي وباطل . فكيف يعلن جمعه بين المتناقضات في عقيدة واحدة ؟ لا بد لنا إذن من نظرة في موقفه من الدين وهل قال فعلا بوحدة الأديان ؟ وما حقيقة موقفه من الأديان جميعها ؟ . من الملاحظ أنه لم ترد في جملة ما صنف وكتب من مؤلفات عبارة " وحدة الأديان " إنما كانت نظرة ابن عربي إلى الدين - كنظرته إلى الوجود وغيرها من الأمور التي عالجها - ذات وجهين : ظاهر وباطن ، أي نعني أن الدين كمظهر عبادي له وجهين : وجه حقي ووجه خلقي . وقد أشار إلى هذين الوجهين محددا دور الحق ودور الخلق فيهما ، عارضا لمعناهما وما يهدفان إليه من أمر صلاح الدنيا والآخرة ، فالدين عنده دينان دين عند " الحق " ودين عند " الخلق " ، لذلك يبحث في المعاني المختلفة لكلمة " دين " . . . وما يتصل بها من معاني " الإسلام " و " الانقياد " و " الجزاء " و " العادة " . فكل لفظ منها يشير عنده إلى معنى معين يهدف إليه . فالدين هو الذي يخلق إمكانية الجزاء على إطاعة العبد لأوامر الحق ، إذ أن الشرك لا ينفع معه عمل مهما صلح هذا العمل وحسن فعله . ولذلك أشار ابن عربي إلى تلك المفاهيم التي حددها للدين حيث قال : " الدين دينان ، دين عند اللّه ، ودين من عرّفه الحق تعالى ، ومن عرّف من عرفه الحق . . . ودين عند الخلق ، وقد اعتبره اللّه . فالدين الذي عند اللّه هو الذي اصطفاه اللّه وأعطاه الرتبة العليا على دين الخلق . . . فهو دين معلوم معروف ، وهو قوله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ « 1 » وهو الانقياد ، فالدين عبارة عن انقيادك ، والذي من عند اللّه تعالى هو الشّرع الذي انقدت أنت إليه . فالدين الانقياد ، والناموس هو الشرع الذي شرّعه اللّه تعالى ، فمن اتصف بالانقياد لما شرّعه اللّه له فذلك الذي قام بالدين وأقامه أي أنشأه ، كما يقيم الصلاة ، فالعبد هو المنشئ للدين ، والحق هو الواضع
--> ( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 19 م .