سهيلة عبد الباعث الترجمان

459

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

للأحكام " « 1 » . فإذا كان هذا شأن الدين من عند " اللّه " فما رأي ابن عربي في الدين الذي هو من عند الخلق ؟ يقول : " فالدين كله للّه ، وكله منك لا منه إلا بحكم الأصالة " « 2 » ويشرح القاشاني هذا القول مبينا ما قصده ابن عربي بذلك بأن الدين كله للّه ، لأن الانقياد ليس إلّا له سواء انقدت إلى ما شرّعه اللّه أو إلى ما وضعه الخلق من النواميس الحكمية ( وهي التي قال اللّه تعالى عنها : وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها « 3 » وهي النواميس الحكمية التي لم يجيء الرسول المعلوم بها في العامة من عند اللّه بالطريقة الخاصة المعلومة في العرف « * » « 4 » ) لأنه لا ربّ غيره ، ناهيك بأن الانقياد إنما هو منك لا منه ، إذ أن أصل الفعل منه لا من المظاهر ، والمنقاد إليه سواء كان مأمورا به من عند اللّه أو من عند الخلق مأمور به في الأصل من اللّه وللّه " « 5 » ولهذا قال : " فالعبد هو المنشيء للدين والحق هو الواضع للأحكام " « 6 » . وعليه يكون الدين كله انقيادا للّه ، ولكنه صادر من العبد لا من اللّه لأن الانقياد عمل العبد ، ولا ينسب إلى اللّه إلّا بحكم أنه أصلك وأنت مظهره " « 7 » . فإقرار الحق إذن لما وضعه العبد من دين واعتباره له هو الموافقة التامة بين الشرع الإلهي والقوانين الحكمية التي وضعها الخلق وقوله : " فلما وافقت الحكمة المصلحة الظاهر فيها الحكم الإلهي في المقصود بالوضع المشروع الإلهي ، اعتبرها اللّه اعتبار ما شرّعه من عنده تعالى " « 8 » وهذا كله قائم على الانقياد ، وكذلك الجزاء الذي يناله العبد بمقتضى عمله من طاعة أو معصية .

--> ( 1 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص . ص 94 - 95 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 94 - 95 . ( 3 ) سورة الحديد ، الآية : 27 م . ( * ) العرف : ما استقر في النفوس من جهة شهادات العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول . ( 4 ) المصدر السابق ، ص 95 . ( 5 ) القاشاني ، شرح الفصوص ، مصدر سابق ، ص 103 . ( 6 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 94 . ( 7 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، التعليقات على الفصوص ، ص 98 . ( 8 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 95 .